صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

جريمة السفارة: فضيحة أم فاجعة!!؟

0

لا اعتقد ان الرأي العام الأردني تأثر سلباً بقضية ترتبط بإسرائيل كما حدث خلال اليومين الاخيرين ، أولاً : لان جريمة قتل الأردنيين من قبل الدبلوماسي الصهيوني جاءت في ذروة تصعيد الازمة المتعلقة بالمسجد الأقصى ، فالمسألة من وجهة نظر الأردنيين هي تمادي قادة اسرائيل في غطرستهم وإهانتهم واستهتارهم للشعوب العربية والإسلامية وفِي مقدمتهم الشعبان الأردني والفلسطيني الى حد التعدي على الأقصى ووقف الاذان والصلاة فيه لأول مرة منذ تحريره من احتلال الفرنجة قبل ٨٠٠ عام . وكانت كل الأنظار تتجه الى الاْردن – بوصفه صاحب الوصاية على المقدسات – بان يظهر حزما ً ومواجهة صلبة لوقف هذه التعديات على حرمة المسجد الأقصى .
ثانياً : لقد شعر الاردنيون كما ظهر في بعض وسائل الاعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي ان جريمة قتل اردنيين على يد الدبلوماسي الصهيوني ستشكل ارضية قوية لمواجهة رسمية وشعبية لحكومة الاحتلال الاسرائيلي ليس فقط من اجل اجبار نتنياهو على الكف عن انتهاكات حرمة الأقصى إنما لفرض وقائع جديدة على العلاقة الاردنية الإسرائيلية مفادها ان الاردن لن يتهاون أبدا في مواقفه من جرائم اسرائيل لان السلام لا يعني الاستسلام ، بهذه المشاعر تابع الأردنيين أنباء محاصرة السفارة من قبل قوات الامن بكثير من الاهتمام والتفاؤل برد الصاع صاعين ، خاصة وان الرواية الصادرة عن جريمة السفارة من وزارة الداخلية ومن الخارجية الإسرائيلية لا تشير بوجود خلفية سياسية لها إنما هي قضية شجار بين عامل وبين رجل أمن من السفارة ( اَي بين رجل أمن متدرب ويحمل سلاحاً وبين شاب صغير يحمل مفكاً ) اضافة الى ان الضحية الثانية ، طبيب معروف من السفارة ، لانه صاحب البناية المستأجرة منه . وبينما كانت الصحافة الإسرائيلية تعنون ” فضيحة في السفارة بعمان .. رجل أمن يقتل اردنيين بدم بارد ” كانت رواياتنا الرسمية متمسكة بالمفك مقابل المسدس !.
الرأي العام الأردني تأثر سلباً واصيب بالاحباط وتفشت مظاهر المهانة الوطنية ، لانه وبعد كل هذه المقدمات والظروف التي احيطت بجريمة السفارة ، جاءت اخبار عودة المجرم الى اسرائيل كالصاعقة على رؤوس الأردنيين . وفِي ظل مبررات لا يمكن تقبلها . لقد تم حصر هذا الفعل الاجرامي بفتوى ( انه دبلوماسي يملك حصانة سياسية وقانونية ) . فهذا امر لا يمكن الخلاف عليه لكن ما كان ينبغي ان يتم السماح للمجرم بالعودة لإسرائيل على هذا فقط ، الإخراج سئ وتفاعل الحكومة وردة فعلها اسوأ ، وانا استغرب كيف تتصرف حكومة بهذا الشكل بينما نائب رئيس وزرائها الدكتور ممدوح العبادي هو ( ممثل الانتفاضات الفلسطينية في الاْردن منذ عام ٨٧ ومواقفه القومية والوطنية بدعم الفلسطينيين وضد الاحتلال هي التي حملته لعدة دورات الى مجلس النواب ممثلاً للدائرة الثالثة ). واستغرب اكثر ان تقوم الرواية الرسمية بتبني شهادة المجرم حول ما حدث هذا الذي تدل الشواهد العقلية انه قتل الطبيب المعروف له وللسفارة حتى لا يكون هناك شاهد غيره على الجريمة .
والسماح بعودة المجرم بدعوى انه ستتم ملاحقته قضائياً لمحاكمته في بلده وفق الاعراف الدبلوماسية ، كانت ستكون مقبولة لو انه من دولة اخرى . من رأى الاستقبال الحافل له من قبل نتنياهو عليه ان لا يستمر في ترديد الاقوال بانه سيلاحق قضائياً ويحاكم محاكمة عادلة . محاكم الاحتلال تعودت على إطلاق سراح كل من يقتل عربياً محاكم الاحتلال وجدت لزج عشرات آلاف الفلسطينيين في المعتقلات لأنهم رموا حجارة !.
مثل هذه الاقوال والتبريرات الدبلوماسية تقال عن دولة محترمة وليس عن دولة عصابات دولة مجرمين دولة قتله وارهاب .
سيقال : ماذا كان على الاردن ان يفعل غير هذا ؟. والمفجع والموجع في مثل هذا السؤال طرحه من خلفية القول بان الاردن يقع تحت ضغوط مالية واقتصادية كبيرة وانه لا يريد أزمة مع اسرائيل بوجود إدارة ترامب وان هناك ضغوط امريكيه الى اخره .
وإذا كان هذا هو حال الاردن فعلاً فالحل ليس بالاستسلام لهذه الضغوط وإنما التسلّح بالشعب الأردني لخوض مواجهة سياسيةًمتصاعده وصلبة ، ليس فقط في موضوع جريمة السفارة وإنما في موضوع الأقصى أيضاً .. كان يجب ان تقود الحكومة حركة الاحتجاج الشعبي من الشمال الى الجنوب ومن الزرقاء الى جسر الملك حسين ، وان يُعلن عن خطوات تصعيدية في وقف التطبيع . قبل أسابيع ألغى وزير إسرائيلي زيارة لعمان احتجاجا على تصريح وزير أردني يتعلق بالاحتلال .
مثل هذا التصعيد لو حدث يقوي الجبهة الداخلية ويظهر للعالم ان الشعب لا يضحي فقط من اجل شد الأحزمة لتنفيذ وصايا صندوق النقد الدولي ، إنما هو جاهز لدعم حكومته الى اي مدى تذهب اليه في التصعيد لمواجهة الغطرسات والإهانات من نتنياهو أو من غيره ( مثل ما تفوه به النائب الصهيوني وشريك نتنياهو بالحكومة الذي طالب بضرب الأردنيين على اقفيتهم زاعما بان اسرائيل تحمي ظهورنا ). لوان مثل هذا التصعيد حدث ، مع استمرار حجز المجرم في سفارته ، لكان موقف الاردن أقوى على الساحة الدولية والعربية ولاجبرت عواصم كثيرة على اعادة حساباتها في الموقف من جرائم اسرائيل .
ولا يمكن ان تلام الحكومة وحدها، فاللوم يقع أيضا على النواب : لقد اظهر الكثير من النواب بانفعالاتهم وتصريحاتهم في جلسة يوم الثلاثاء انهم اردنيون اصلاء يشعرون بحجم المهانة التي لحقت بالأردن والاردنيين . لكن ، لا افهم لماذا وكلما طرحت قضية هامة أو حساسة تحدث مشاجرات بين النواب تؤدي الى انسحابات تكون نتيجتها رفع الجلسة بعد فقدان النصاب . في برلمانات العالم عندما تثار قضية طارئة على جدول الاعمال وذات بعد شعبي ودولي تعقد الجلسات وتمتد لساعات من البحث والنقاش حتى التصويت على موقف للاغلبية من القضية موضوع النقاش ، لا تحدث انسحابات تحرم الشعب من رؤية مجلسه يتخذ موقفا يعبر عنه ، على العكس اذا كان هناك نواب في سفر خارج بلدهم فانهم يعودون باقصى سرعة للمشاركة بالنقاش . يكفي انسحابات تعطل دور المجلس .
اخيراً لا بد من ملاحظتين :١- يذكر الدكتور ممدوح العبادي انه في عام ٩١ عندما حاصر العرب وأمريكا الاردن وميناء العقبة بسبب موقفه من صدام حسين كيف استغلت اسرائيل هذا الحصار وأخذ رئيس وزرائها يهدد الاردن ، فجاء رد الملك آنذاك عليها حاسماً عندما قال بانه سيرسل مليون أردني وفلسطيني الى الجسر للمطالبة بالعودة وانهاء الاحتلال . وفعلا سارت مظاهرة شارك فيها اكثر من ١٠٠ الف أردني عبر الاغوار وصلت حتى اقرب نقطة من الجسر . رافعة شعارات ضد الاحتلال وتطالب بحق العودة . لا تنسوا يا من تجلسون على كراسي الحكم انه ومهما كانت الظروف السياسية والمالية التي تحيط بالبلاد بان لا يوجد لإسرائيل حقوق تطالب بها في الاردن . إنما يوجد بالمقابل لملايين الأردنيين حقوقاً لا تزال مغتصبة بيد احتلالهم المقيم . ولا تنسوا ان القدس محتلة وان الوصاية الهاشمية الاردنية حق لا مساومة عليه وهو واجب يستحق اكبر التضحيات .
الملاحظة الثانية : عندما قتل احمد الدقامسة الإسرائيليات تمت محاكمته في الاردن وحكم بالسجن لمدة طويلة ، لم يستقبله الملك حسين رحمه الله بالاحضان كما فعل نتنياهو مع مجرم السفارة إنما ركب طائرته وذهب الى اسرائيل ليعزي أهالي القتيلات ، اذكر هذا لمن يرددون حجة الحصانة الدبلوماسية فاحتفال حكومة نتنياهو بالقاتل تؤكد بانه لن يحاكم الا بغرض تبرئته ، وابتسامات نتنياهو في استقباله تدل على طبيعته الاجرامية، فمثله لا يعامل بالنصوص الدبلوماسية إنما بالافعال السياسية .