صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

الأزمة داخلية ‘‘عندنا‘‘ وليست مع إسرائيل فقط

0

أظهرت جريمة السفارة الصهيونية عيوبا ً خطيرة في الأداء العام للحكومة بجميع أنشطتها وهو امر انكشف للمواطن العادي وليس فقط للمهتمين بالسياسة والشأن العام ، ومن تابع ردود الفعل في الاجتماعات واللقاءات وتبادل الرأي حول الجريمة لمس هذا بوضوح ، وقد ترجم ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي . من الملاحظ ان الرأي العام على هذه المواقع اظهر تأييدا ً قويا للحكومة – في البداية – عندما منعت دبلوماسيي السفارة من السفر ، لكن الوضع انقلب ١٨٠ درجة ضد الحكومة عندما طلع الصباح وطاقم السفارة الصهيونية كله في اسرائيل ، لقد بلغ الغضب الشعبي ذروته امام صور مشهد نتنياهو وهو يستقبل المجرم بالاحضان في مشهد يقطع الشك باليقين ، بان حكومة اسرائيل كلها تكرم القاتل وتستقبله استقبال الأبطال ، وعزز هذا الانطباع عند الرأي العام الأردني بث مكالمة نتنياهو مع القاتل عند وصوله للجسر التي يدعوه فيها للحديث مع صديقته .
( نشر استقال نتنياهو للمجرم وحديثه على الهواء معه وبث المكالمة الهاتفية ، لهما تفسير واحد وحيد عند السياسي المبتدئ وبمفاهيم الاعلام بان المقصود إظهار اسرائيل كدولة قوية وأنها تفعل ما تريد حتى في عقر دار الأردنيين وان قرار عمان بمحاصرة السفارة لم يطلع عليه النهار .)
هناك تقصير فادح في معالجة الحكومة للحدث الاجرامي الذي هز كيان الدولة بمثل ما هز اعماق الأردنيين واشعرهم بالذل والمهانة خاصة وان الضربة الموجعة أو اللكمة بالوجه أتت من اسرائيل ومن نتنياهو وفِي وسط معركة الدفاع عن الأقصى المغلق آنذاك بدون اذان وبدون صلاة وهو المسجد الداخل تحت الوصاية الهاشمية الاردنية .
هذا التقصير اتخذ الاوجه التالية :
١- لقد صمتت الحكومة لساعات طويلة بعد وقوع الجريمة ، وعندما تحدثت ، أعطت الانطباع بان القاتل الصهيوني كان يتعرض لهجوم بمفك وانه جرح كما تجاهلت الحديث عن الدكتور حمارنه الضحية الثانية ، بل لم يعرف الرأي العام انه طبيب الا من مواقع التواصل ، حين نشر بانه طبيب ( وليس نجار ) وانه نُقل الى المركز العربي . هذا الأداء الحكومي المرتبك جعل البعض يتكهن بان السفارة تعرضت لهجوم !.
٢- اشاع قرار محاصرة السفارة والإعلان عن منع سفر موظفيها الارتياح بان هناك موقف أردني قوي للتعامل معز هذه القضية الخطيرة ذات العمق السيادي والشعبي . لقد انقلب هذا الارتياح الى سخط عام على الحكومة مع أنباء صباح الْيَوْمَ التالي التي اشرت اليها في الفقرة (١).
٣- كل التبريرات الهزيلة التي قدمتها الحكومة في الْيَوْمَ التالي عن الالتزام بالقانون والاعراف الدولية مسحها نتنياهو ( بأستيكة ) على رأي المصريين لانه استقبل المجرم كبطل ، ولأنه احتفى بأسرته ، ولان المجرم ظهر سليما معافى ولو ان به جروحا لاستغلت كاميرات الاعلام الاسرائيلي ذلك لإظهار ان ما جرى هو دفاع عن النفس . وأكثر ما يؤلم قول المجرم لنتنياهو وهو يعبر عن فخره بإسرائيل ” لقد شعرت بان دولة كاملة تقف خلفي” هذا كلام يقابله شعور الأردنيين بان حكومتهم خذلتهم وبان الضحايا لا ظهير لهم . وهو امر يعمل الملك على معالجته في الخطاب الرسمي بالتصريحات التي يطلقها منذ عودته .
٤- رد فعل نتنياهو الذي اشرت اليه في الفقرة السابقة يجعل من المقولة الرسمية بأن الاردن طبق القانون الدولي محل استغراب واستهجان . لان نتنياهو اظهر بانه غير مهتم بالخطوة الاردنية ، ولا يعنيه القانون الدولي ، وهو الذي ينتمى لكيان بنى تاريخه على انتهاك القانون الدولي والقرارات الاممية !. ثُمّْ ، الم يكن من الواجب على الحكومة ، قبل ان تطبق القانون الدولي وتسلم المجرم ، ان تشرع بمفاوضات لتسليمه تتضمن تعهدا بتطبيق القانون وإجراء المحاكمة ، الا يحتمل القانون الدولي مع دوله زعيمها بلطجي ابقاء أزمة السفارة لشهر اوشهور حتى تقدم الضمانات التي تحقق مطالب الدم الأردني المغدور المستباح على ارضه وفِي عاصمته !؟.
لقد كشفت قضية السفارة عن وجود أزمة خطيرة وكبيرة داخل الادارة الاردنية هذه هي ملامحها :
١- ( ان الاطفاء والدفاع المدني ) السياسي للحكومة معطل في مواجهة الطوارئ ، لقد شعر الجميع بغياب الدولة والحكومة وهذا عارض مرضي يكشف عن علل وامراض اكبر ، (لقد أعطت الحكومة الانطباع بأنها لا تستطيع التصرف بالصغيرة والكبيرة بغياب الملك خارج البلاد . وهذا يعيد الى الاذهان حكاية من الماضي بان الحكومة لا تملك ولا تحكم ) .
نريد حكومة تحكم وتملك وتظهر امام الناس عند الازمات بكلام يبث الاطمئنان في نفوس الأردنيين ويملأ صدورهم بالثقة والشعور بالكرامة .
٢-( لقد كشفت قضية السفارة بوجود حالة من عدم التوافق التي يفترض ان تفرضها الأحداث الخطيرة بين الحكومة من جهة وبين مجلس التواب ) ، لو حدث مثل هذا الامر في دولة تتوزع فيها السلطات والمسؤوليات وتتشارك في القرارات تجاه قضيه خارجية لرأينا كيف ان الحكومة تذهب الى النواب من الْيَوْمَ الاولى وتقدم تقريرها بشخص رئيس الحكومة وتقدم تصورها وأرادتها وتدعو المجلس الى مساندتها في وجه حكومة اسرائيل … ما حدث تحت القبة من مشاجرات النواب والاداء الهزيل للحكومة أعطى الانطباع بان آلية ( رص الصفوف ) بين سلطات الدولة بمواجهة الأزمة مع اسرائيل غير موجودة وهذا يدل بان الأزمة عندنا وليست مع اسرائيل فقط .
٣- اما الامر الاول والأخير الاخطر والخطير في الأداء الحكومي مع جريمة السفارة هو إشاعة انطباع عام بين الأردنيين بان اسرائيل لها يد قوية عند التعامل مع الاردن ، انه الشعور الذي يفسره قول المجرم امام نتنياهو ” لقد شعرت بان دولة كاملة تقف خلفي وتساندني “.
هناك عبارات ملفوفة باليأس تتردد اليوم بين الأردنيين مثل :
ماذا كان على الاردن ان يفعل وهو غارق بالمديونية والاعتماد اولا وأخيرا على أمريكا واللوبي الصهيوني في الكونغرس !!.
اذا كان هذا هو طابع العلاقة مع اسرائيل ( يد عليا ويد سفلى ) فماذا سنفعل اذا جاء الوقت لفرض حل للقضية الفلسطينية على حساب الاردن خاصة ونحن نرى بام اعيننا كيف يتم تهويد القدس وابتلاع وضم الضفة بالاستيطان !،
مثل هذه التساؤلات مشروعة ، لكن ما هو مشروع في صلب كرامتنا الوطنية كأردنيين ، اننا نموت ويحيا الوطن ، فلا مديونية ولا كل تبريرات الاستذلال والاستسلام تقف في وجه الأردنيين اذا ما ارادت اسرائيل و حليفها الامريكي فرض الحلول البائسة على الاردن .
انها تساؤلات مشروعة تبرر تشديد المطالَب بإطفاء الأزمة الداخلية نحو تقوية الجبهة الداخلية وتعظيم دور الأردنيين في بناء وطنهم والدفاع عنه . الدولة القوية هي التي تصنع الشعب العنيد الصلب ، والحكومة المعبرة عن الأمة ، هي رجل الأزمات وروح المقاومة التي ينتزع الحقوق ولا تفرط بها .
( ملف السفارة يثبت بان أزمتنا الداخلية أعمق بكثير مما تظهر عليه في السطح )