صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

كيف نحفّز النمو الاقتصادي في الاردن؟

الحل الوحيد برأيي هو في خيار مؤسسي مركزي للملف والفريق الاقتصادي دون تجاهل شراكة القطاع الخاص

نوهت في مقال سابق بأن المحددات والأولويات المفروضة على السياستين المالية والنقدية في المملكة تعمل على تقييد امكاناتها العريضة وطموحاتها المباشرة لتحفيز الطلب المحلي وتقوية الجهاز الانتاجي وجانب العرض، وبالتالي تعزيز النمو الاقتصادي الضعيف في الاقتصاد الاردني (بحدود 2.2% فقط حالياً).
لكن ينبغي التأكيد بأن النمو الشامل والقابل للاستمرار هو في واقع الحال الأساس المتين والمستدام ليس فقط لرفع مستويات التشغيل وتقليل معدلات الفقر وانما أيضاً لضمان الاستقرار المالي والنقدي في الأجل الطويل.
كما ان انضمام الاردن الى منظمة التجارة العالمية قد حدّ كذلك من فعالية السياسة التجارية في دعم وحماية الأنشطة والصناعات القابلة للمتاجرة، رغم ان الدول الصناعية في سياساتها الصناعية تلجأ الى العوائق غير الجمركية ودعم المشاريع الصغيرة لتحقيق الغاية ذاتها.
في ضوء هذه المحددات الاساسية على السياسات المالية والنقدية والتجارية، يبرز التساؤل الهام التالي: ما هي أدوات السياسة الاقتصادية المتاحة للاردن لانعاش وتائر نموه الاقتصادي المستدام والعودة الى مسار نمو لا يقل عن 5% سنوياً؟ هل نكتفي بنمو حقيقي لا يتجاوز النمو السكاني؟ وما انعكاسات ذلك على مستويات المعيشة ومعدلات التنمية؟ ما الحل اذا ما أظهرت البيانات النهائية للنمو الصادرة قريباً عن دائرة الاحصاءات العامة ان النمو الفعلي يقل بوضوح عن 2.2% وليس كما تظهره البيانات الحالية الاولية والقابلة للتعديل؟
لابد اذن من التركيز العاجل على النمو المقاد من قبل القطاع الخاص والموجه نحو الخارج وبالتالي توسيع القاعدة الضريبية وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية من القطاعات القابلة للمتاجرة.
هذا يلقي عبئاً ثقيلاً على ما تبقى من سياسات متاحة وغير مقيدة بعائق الموارد المالية أو باولويات غير النمو أو بنظام سعر صرف محدد. وبصورة عامة يمكن تصنيف هذه السياسات المتاحة الى: السياسات الاقتصادية القطاعية/ الجزئية وسياسات تشجيع الصادرات كبديل متاح للادارة الاقتصادية في الاردن.
تهدف هذه السياسات الى تعزيز جانب العرض الموجه نحو التصدير من خلال تحسين كفاءة وانتاجية وتنافسية القطاع الخاص محلياً ودولياً. فحيث ان سياسات التقشف الكلية تفرض السعي لكبت الطلب المحلي، فلابد اذن من سياسات لتعظيم الطلب الخارجي على الصعيد السلعي والخدمي. هذا يقتضي بالضرورة -في ضوء عجز سياسات ادارة الطلب الكلي- تطوير وتنفيذ سياسات قوية على المستوى القطاعي، مع التركيز على القطاعات القابلة للمتاجرة الدولية.
القيد الرئيسي أمام تحسين فعالية السياسات الاقتصادية القطاعية وسياسة تطوير الصادرات هو تشتت الاطار المؤسسي المسؤول عن هذه السياسات.
فاذا كانت وزارة الصناعة والتجارة والتموين معنية بقطاعي الصناعات التحويلية والتجارة، فان هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن معنية بقطاعي الطاقة والصناعات الاستخراجية، ووزارة الزراعة معنية بقطاع الزراعة، ووزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة الاردنية معنية بقطاع السياحة، ووزارة الاتصالات وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات معنية بقطاع تكنولوجيا المعلومات، وهيئة الاستثمار معنية بتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، والمؤسسة الاردنية لتطوير المشاريع مسؤولة عن رفع انتاجية وتنافسية المشاريع الصغيرة، ومديرية المنافسة في وزارة الصناعة مسؤولة عن حماية وتشجيع المنافسة المحلية. كما انه لا توجد مؤسسة مركزية وحيدة في قطاعنا العام الكبير معنية بتطوير الصادرات السلعية والخدمية!
السؤال المركزي هو: كيف نحقق نقلة نوعية وقوية ومتسقة في اداء كافة هذه المؤسسات والسياسات القطاعية/ الجزئية/ التصديرية؟ الحل الوحيد برأيي هو في خيار مؤسسي مركزي للملف والفريق الاقتصادي دون تجاهل شراكة القطاع الخاص، فنهج “العمل كالمعتاد Business as Usual” الذي يشكل عادة بوصلة القطاع العام لم يعد ملائماً لأغراض تحفيز النمو الاقتصادي في المستقبل، ونحن بحاجة ماسة الى نموذج مؤسسي سيادي بديل وناجح للنمو الاقتصادي المستدام.
طبيعة وتفاصيل هذا النموذج المؤسسي والسيادي هو تحدي جوهري لمئات الخبراء والمستشارين والفنيين والتنفيذيين العاملين في الوزارات والدوائر والمؤسسات والوحدات الحكومية المستقلة المعنية بالشأن الاقتصادي الكلي والقطاعي على حد سواء.

د. جمال الحمصي
د. جمال الحمصي