صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

١٠٠ عام من بلفور وفلسطين باقية

0

” يسقط وعد بلفور ” شعار كان يتردد في شوارع العواصم العربية منذ قيام الكيان الصهيوني لكن هذا الوعد لم يسقطه هذا الشعار ولا البلاغ رقم ١ الذي كانت الانقلابات العسكرية ترفعه باسم ازالة اسرائيل اي إسقاط الوعد المشؤوم ، من اسقط هذا الوعد هو هذا الفلسطيني الصامد المرابط في الجليل والمثلث والنقب وفِي القدس والضفة وغزة .
بلفور ومن خلفه الحركة الصهيونية صكوا وعداً زعموا فيه انهم ” يقدمون وطناً ( فلسطين ) لا سكان فيه ، الى شعب لا وطن له ( اليهود ) “. وهذه كانت اكبر كذبة في التاريخ تبعها آلاف الاكاذيب والمزاعم والادعاءات . لقد روجوا الى ان الفلسطينيين شعب غير موجود ، وقدموا أنفسهم انهم ينتمون الى فلسطين منذ ٣ آلاف عام ، حتى عذابات الفلسطينيين تحت احتلالهم اغتصبوها وزعموا بأنهم هم المعذبون في الارض ، كما كتب ادوارد سعيد ، ولَم يترك اليهود ( الحمص والفلافل وخبز الطابون ) عندما أضافوها الى تراثهم . مسلسل من الخدع والاضاليل لم يتوقف على مدى قرن كامل حتى طالت فصول مسرحيتهم ، وضاق مسرحهم بطوابير من المجرمين والمنافقين ومصاصي دماء الشعوب ومن خلفهم سرب من الخونة .
لكن فلسطين لا تزال باقية ، والفلسطينيون يعززون عاما بعد اخر أرقامهم العددية على ارض وطنهم ، في عام النكبة كان من تبقى منهم في المثلث والجليل ١٢٦ الفاً ، اليوم يبلغون مليوناً ونصف ، مليون ونصف شوكة في حلوقهم وأعينهم … من بين صفوف هؤلاء المرابطون الصامدون خرج محمود درويش وأميل حبيبي وسميح القاسم والشيخ رائد صلاح والاف المرابطين المدافعين عن القدس والاقصى بأجسادهم ، منهم خرج توفيق زيّاد بصوته المجلجل يتحدى الصهاينة وكيانهم ووعدهم المشؤوم :
كأننا عشرون مستحيل
في اللد ، والرملة. ، والجليل
هنا … باقون على صدوركم ، باقون كالجدار
وفِي حلوقكم
كقطعة الزجاج ، كالصبار
وفِي عيونكم
زوبعة من نار
اننا هنا باقون
فلتشربوا البحرا
نحرس ظل التين والزيتون
ونأكل التراب ان جعنا … ولا نرحل .
اليوم عدد الفلسطينيين على ارض فلسطين التاريخية يصل الى ٦و نصف مليون اي ٥٠ ٪‏ من السكان ، اما عدد اليهود البالغ ٦ ونصف مليون فمنهم مليون روسي اراد معظمهم من نبل الجنسيته الاسرائيلية ، ان تكون بوابة لهم في الهجرة الى الولايات المتحدة . نيويورك وحدها يعيش فيها اكثر من ٣٠٠ الف إسرائيلي من غير المهاجرين الروس . اما ما يزرعونه من مستوطنات في الضفة المحتلة فان ٧٠ بالمئة من المستوطنين فيها يعيشون في تل ابيب وغيرها . ان هذا البعبع الاسرائيلي ما هو نتاج مؤامرة ضخمة متشابه من التقاء مصالح لدول وزعامات في المنطقة وفِي أمريكا تستخدم بقاؤه ذريعة للوصول للحكم او للبقاء فيه وايضاً من اجل نهب ثروات العرب واموالهم .
خلال ١٠٠ عام تعددت الهزائم العربية في الحروب مع اسرائيل بما فيها هزائم منظمة التحرير ، لكن هزائم اسرائيل اكبر وأفدح بعد مسلسل فشلها الطويل في تفريغ فلسطين من اَهلها ، فأسس كيانها المزروع يقوم أصلا على الادعاء بان فلسطين ارض خالية .. الادعاء الذي قام عليه وعد بلفور وبيان المؤتمر الصهيون الاول قبل ١٢٠ عاما ً . اسرائيل فشلت بعد كل حروبها واحتلالها وحملات التضييق والتهجير والطرد والاعتقالات خلال ال ١٠٠ عام منذ بلفور في ان تجعل فلسطين بدون فلسطينيين ، بل ان عدد الفلسطينيين زاد أضعافا مضاعفة ، وعددهم اليوم في الوطن والشتات ( المتمسكون بحق العودة ) اكثر من عدد ليهود في جميع أنحاء العالم . هذا هو الفشل الأكبر لوعد بلفور ولزعماء الحركة الصهيونية .
لم ينجحوا … ما نجحوا فيه ، هو تحويل الوطن الفلسطيني الى قاعدة استعمارية متخمة بالسلاح للهيمنة على المنطقة العربية ومنع شعوبها ودولها من التقدم والنهوض وبناء أسباب القوة التي تليق بالامة العربية . نجحوا في بث الرعب بقلوب العواصم المتخاذلة والمترددة ، لكنهم لم ينجحوا مع ممارساتهم الوحشية والعنصرية من زرع الخوف في قلوب أطفال فلسطين الذين يتصدون لدباباتهم بالحجارة والسكاكين وبالروح المعنوية المتفجرة ، نجحوا في بناء الجدار العنصري لكنهم لم ينجحوا في كسر إرادة التحدي والصمود عند الفلسطينيين الذين أقاموا حياتهم من جديد خلف الجدار وداخل أسواره .
منذ الخمسينيات وزعماء اسرائيل يعبرون عن مخاوفهم من ” القنبلة الديموغرافية الفلسطينيية ” التي اعتبروها اخطر عليهم من جميع الجيوش العربية ، اليوم ، ان ما تبقى في مواجهة التحدي الصهيوني الاخطر في التاريخ ، وسط هذه الأوضاع العربية المأساوية ، ، هو هذه القنبلة البشرية ، فهي الضمانة الباقية لميلاد الأمل بفجر سيأتي لامحالة تكون فيه كل فلسطين عربية ، فالسارق لن ينعم بما سلب طويلا ، “ولن يضيع حق وراءوه مطالب “.
العبرة أيضا هي في ما تقدمه الجماهير الفلسطينيية بصمودها وجلدها وصبرها وكفاحها من دروس للشعوب العربية ولحكامها أيضاً ، وهي “ان الشعب اذا ما أراد يوماً فلا بد ان يستجيب القدر “، كفى العواصم اعتمادا على أولياء الامر من الغرباء والأجانب فليس للدول والانظمة من ضمانة بالاستقرار والاستمرار بالوجود الا في العودة الى شعوبها والاعتماد عليها ، فهي جذور الاوطان وأشجارها الوارفة .