صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

أسرار النمو الاقتصادي في الأردن!

0

يمكن تخفيض عجز الموازنة العامة في المملكة -من زاوية الايرادات المحلية- من خلال ثلاثة خيارات رئيسية: الخيار الأول هو زيادة معدل الضريبة المفروض حسب التشريعات سواء على الدخل أو المبيعات أو التجارة الخارجية مثلاً، وثانيهما هو زيادة القاعدة الضريبية، بمعنى توسيع وتعزيز وتيرة النشاط والانتاج والنمو الاقتصادي المعتمد على القطاع الخاص وبالتالي مستوى دخله الخاضع للضريبة، وثالثهما هو تحسين كفاءة التحصيل الضريبي من خلال توسيع قاعدة المكلفين وتقليص الاقتصاد غير الرسمي وترشيد الاعفاءات الضريبية والتشديد على التهرب والتجنب الضريبي المتكرر، خصوصاً لكبار المكلفين.
ولمعرفة المزيج المثالي، أو أي من هذه الخيارات أولى بالتركيز في المرحلة الحالية والمستقبلية بغية تعزيز الاستدامة المالية والاعتماد على الذات (في ضوء تقلب المنح الخارجية)، لابد من دراسة الترابطات والعلاقات بين هذه الخيارات الرئيسية الثلاثة.
من المفيد الاشارة الى ان التركيز دوماً على الخيار الأول والسعي المتكرر لزيادة معدلات الضريبة عن مستواها الأمثل سيميل في الأجل الطويل الى تآكل القاعدة أو الايرادات الضريبية ذاتها حسب منطق منحنى لافر Laffer Curve المعروف في اقتصاديات جانب العرض، أي سيضعف من الخيار الثاني. الآلية الرئيسية هنا تتمثل في التأثيرات السلبية المحتملة لرفع الضريبة وازالة الدعم على جانب العرض الكلي من الاقتصاد (الجهاز الانتاجي) والمتمثلة في تنافسية الاستثمارات الخاصة القائمة والجديدة، وأيضاً يشمل التأثيرات السلبية المحتملة على جانب الطلب الكلي من الاقتصاد والمتركزة في القوة الشرائية لدخول وثروة القطاع العائلي.
من ناحية ثانية، فان تراجع النمو والتباطؤ الممتد في النشاط الاقتصادي المترافق مع تفاقم العبء الضريبي عن مستوياته المثلى سيميل الى المساهمة في توسيع الأنشطة غير الرسمية وزيادة التجنب والتهرب الضريبي، خصوصاً في حالة عدم امتلاك دائرة ضريبة الدخل والمبيعات معلومات كاملة عن درجة التباطؤ الاقتصادي في الأنشطة والقطاعات الاقتصادية. هذا بدوره سيضعف من فعالية الخيار الثالث.
لأسباب متنوعة، لا تزال برامج التصحيح الاقتصادي لصندوق النقد الدولي تركز عموماً على الخيار الأول. ولكن هذا الخيار رغم سرعة عوائده في الاجل القصير الا ان له تداعياته المرجحة غير المتوخاة في الأجل الطويل، سواء على نمو الاقتصاد الكلي (الخيار الثاني) أو على درجة التحصيل والتهرب الضريبي (الخيار الثالث). فما تكسبه الموازنة العامة في الاجل القصير من خلال الخيار الأول يمكن أن تخسره في الأجل الطويل من خلال تثبيط امكانيات الخيارين الثاني والثالث المذكورين أعلاه. وهذا يفسر الحاجة المتكررة لاجراءات التقشف المالي (دون تجاهل دور عامل الصدمات الخارجية المتعددة بالطبع).
في الاجل الطويل، لابد للموازنة العامة المرنة ان تتبع الاقتصاد وتعطيه الريادة، فالاقتصاد الاردني في الأجل البعيد هو محرك القاطرة وما الموازنة العامة الصحية الا احدى عرباته الأساسية، ووضع العربة أمام الحصان لن يذهب بنا بعيداً.
لكن يبقى السؤال الأساسي: كيف نعزز ونحفز وتائير النمو الاقتصادي المستدام في الاردن في المرحلة الراهنة؟ كيف نستعيد معدل النمو السريع طويل الأجل الذي تمتع به الاردن في مراحل عديدة من الماضي القريب والبعيد؟
هل نكتفي بتطوير بيئة الأعمال العامة ومناخ الاستثمار الكلي أم نستهدف قطاعات اقتصادية واعدة وكبيرة وذات أولوية؟ أم مزيج من الأمرين؟ كيف نحدد ونطور وننوع المزايا النسبية والتنافسية الكامنة وغير المستغلة في الاقتصاد الاردني؟ كيف نستغل الموارد البشرية المتعلمة والعاطلة عن العمل مع حجم الودائع والموارد المالية غير المستغلة في الجهازين المصرفي والمالي؟ كيف نخفض من المخاطر الخارجية النظامية على الاستثمار الانتاجي بواسطة نظم التأمين المحلية والعالمية (MIGA)؟ هل نركز على تشجيع الطلب الخارجي (الصادرات) ام احلال المستوردات (السلعية والخدمية) أم على زيادة الطلب المحلي؟ ما هو دور السياسة المالية والسياسة النقدية في ظل محددات نظام سعر الصرف وقيد الموازنة العامة؟
ما هو دور استراتيجية التنافسية الدولية وسياسة التجارة الخارجية في استعادة النمو السريع والقابل للاستمرار؟ هل نركز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي توظف المزيد من قوة العمل المتعطلة أم على المشاريع الكبيرة والضخمة Mega Projects عالية العوائد والمخاطر؟ وما دور صندوق النقد والبنك الدوليين والمانحين الدوليين في تحقيق هذه أولوية النمو الاقتصادي المستدام؟ على سبيل المثال، توقعت ان يغطي صندوق النقد الدولي ضمن تقريره “قضايا مختارة” للاردن لسنة 2017 خيارات وأولويات ومعوقات النمو المستدام في المملكة بدلاً من قضايا اقل شمولية والحاحاً.
وحتى اذا تحققت توقعات صندوق النقد الدولي بنمو الاقتصاد الاردني بمعدل 2.3% لعام 2017 كاملاً وهذا مشكوك فيه بعد أن بلغ نمو النصف الأول 2017 ما معدله 2.1% فقط، فان هذا النمو السنوي المتوقع يقل بوضوح عن النمو العالي طويل الأجل للاردن، فهو لا يزال أدنى من نصف معدل النمو الاقتصادي الممكن وطويل الأجل في الاردن والبالغ نحو 5.0% في المتوسط.
على مستوى التحليل الكلي، وباستبعاد أثر البيئة والصدمات الخارجية المتكررة بسبب صعوبة السيطرة عليها، هنالك قيدين رئيسيين على أداء أفضل للنمو الاقتصادي في الاقتصاد الوطني في المرحلة القادمة، اولهما هو وضع الموازنة العامة وقلة الموارد المالية الحكومية الفائضة، وثانيهما هو آليات التنسيق والتنفيذ الاقتصادي لدى القطاع العام. وأعتقد بأن القيد الأول ليس أساسياً Binding Constraints بقدر القيد الثاني- رغم ضرورة الاهتمام بتحسين كفاءة الانفاق الحكومي لدعم النمو الاقتصادي المستدام. القيد الأساسي الثالث والحرج على آفاق النمو هو باعتقادي ضعف التنافسية الدولية في الأسواق غير العربية وتراجع كفاءة الاستثمار في القطاعين العام والخاص، بما فيه الاستثمار في قطاع التعليم.
وصدف ان اقترح كاتب هذا المقال فيما مضى مبادرة لمراجعة نموذج الحوكمة الاقتصادية عموماً لصالح وزارة اقتصادية سيادية تشرف على الملف الاقتصادي ومحركاته الأساسية في المملكة، وعلى التعريف بفرص ومعوقات الصادرات والاستثمارات الواعدة، لكن أشير في هذا المقال الى أهمية تطوير الحوكمة الاقتصادية لهدف النمو الاقتصادي تحديداً.
فليس هنالك في الجهاز الحكومي المتضخم من وزارة رئيسية أو مؤسسة تنفيذية حكومية تملك الصلاحيات اللازمة ومسؤولة حسب تشريعها عن تحقيق ومتابعة اجراءات وجهود ومبادرات وخطط النمو الاقتصادي في الاردن وبالشراكة مع القطاع الخاص، على عكس الحال مع أهداف أخرى محددة وهامة مثل ادارة الموازنة العامة وتحقيق الاستقرار النقدي.
هذا الوضع يبعثر مسؤولية تحفيز النمو ويرخي المساءلة ويضعف بالتالي من النتائج. الأخذ بالمقترح أعلاه سيمهد لاحداث “دفعة قوية” في تنفيذ السياسات الداعمة للنمو المعتمد على التصدير عالي الجودة والقيمة والتقنية في القطاعات الكثيفة في المعرفة، مثل قطاعات الأدوية والصناعات الهندسية والكيماوية والأسمدة المركبة والسياحة المعتمدة على المعرفة (السياحة العلاجية والتعليم العالي المتميز) وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وبالتالي سيوسع القاعدة الضريبية ويستعيد زخم النمو السريع للاقتصاد الاردني الذي تحقق منذ منتصف عقد السبعينات حتى عام 2009.