صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

دعم المشاريع الصغيرة ام ارهاقها ضريبياً؟

0

قرأت باهتمام الورقة التحليلية التي أعدها ونشرها منتدى الاستراتيجيات الأردني هذا الاسبوع وعنوانها “ثلاثيةالنموالاقتصادي،الإيراداتالضريبية،والمساعدات الخارجية: التداخل والترابط”. الورقة قيد المراجعة تبحث نظريا واحصائياً في العلاقات المتبادلة بين النشاط الاقتصادي المحلي والايرادات الضريبية والمنح والقروض الخارجية. وهو بلاشك موضوع مُوفق من حيث التوقيت، لكن التوصيات لم تكن للأسف مُوفقة بالكامل.

تتلخص أبرز استنتاجات الورقة بالآتي: ان الايرادات الضريبية في الاردن هي منخفضة بشكل عام، وأن العمل على زيادة الايرادات الضريبية سوف يحفز النمو الاقتصادي، وأن مرونة الضريبة بالنسبة للناتج على المدى الطويل تساوي 1.09 خلال الفترة قيد الدراسة (1983- 2016) وهي مرونة تستحق التحسين رغم أنها “قريبة من المتوسط العالمي” حسب رأي الورقة، وإن أثر المنح والقروض الميسرة على الإيرادات الضريبية في الأردن هو أثر سلبي.

كما أوصت ورقة المنتدى بالعمل على زيادة المرونة الضريبية من خلال التركيز على زيادة كفاءة التحصيل الضريبي. وبصفة خاصة، أوصت الورقة بأن تعتمد الحكومة نظاما جديداً عادلاً وفعالاً لتحصيل الضرائب من شريحة المهنيين والشركات الصغيرة والمتوسطة يضمن عدم التهرب والالتزام.

وبصورة عامة، أرى بأن استنتاجات وتوصيات الورقة تميل عموماً الى التوجه نحو قطاع عام أكبر في جانبي الايرادات والنفقات العامة، رغم اعتراف الورقة بأن “القطاع العام الكبير يضعف النمو”. حدث هذا رغم تنويه الورقة بأهمية تحسين كفاءة الانفاق الرأسمالي الحكومي.

هذا الميل الى زيادة الايرادات والنفقات الحكومية هو برأيي توجه ايجابي في الأجل القصير لكنه غير مستدام في الأجل الطويل، اذ ينبغي على المدى الأبعد –ومن الآن نبدأ- السعي الجاد لافساح المجال لدور تحفيزي وتمكيني للقطاع الخاص، وتركيز القطاع العام على الدور الرقابي خصوصاً في مجال تعزيز المنافسة وتسهيل تأسيس الشركات الجديدة ودعم عمل المشاريع الريادية القائمة.

ملاحظة عامة ثانية ومرتبطة، وهي ان الورقة رغم شموليتها للعديد من المحاور، لكنها تجاهلت في نماذجها القياسية والاحصائية نظريات جانب العرض ومضامين منحنى لافر Laffer Curve على النمو الاقتصادي المستدام. فالورقة لم تدرس مثلاً الأثر الاحلالي لنشاط القطاع العام على استثمارات القطاع الخاص والأثر التثبيطي السلبي المحتمل للضريبة العالية على القاعدة الضريبية وايرادات الشركات الخاصة.

كاتب هذا المقال يؤيد مبدأ تحسين المرونة الضريبية في المملكة، لكن ليس من خلال التركيز على الايرادات الضريبية للمشاريع الصغيرة ذات الأعداد الكبيرة (يصعب متابعتها) وذات القاعدة الضريبية المحدودة أصلاً (معفاة أو محدودة الدخل)، وانما من خلال مراجعة الاعفاءات الضريبية غير المولدة للنتائج المتوخاة، وتحسين كفاءة التحصيل لكبار الشركات والمكلفين.

فمثلاً، تبلغ صادرات المملكة من السلع لوحدها في عام 2016 ما قيمته 5.3 مليار دينار كلها معفاة من ضريبة الدخل، علماً بأن معظم هذا الاعفاء تستفيد منه المشاريع الكبيرة والقادرة على التصدير دون دعم حكومي.

ومن حيث زيادة كفاءة التحصيل الضريبي، فقد استهدفت العديد من برامج اصلاح الادارة المالية العامة في المملكة، وبدعم سخي من المانحين الدوليين، محور تحسين كفاءة التحصيل الضريبي، لكن النتائج العملية للأسف حتى الآن لم تزل دون التوقعات.

ولابد من التنويه الى ان الايرادات الضريبية في المملكة كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي – وهو مؤشر متعارف عليه للعبء الضريبي- تقارب المتوسط العالمي عند 15%، وليس من الحكمة مقارنتها بنظيرتها في دول الرفاه، سواء الصناعية منها أو الناشئة. فالاسرة التي تنتمي الى الطبقة الوسطى في الدول النامية تنفق نحو ثلث دخلها (33% ضريبة ضمنية مستترة) على التعليم الخاص والنقل الخاص والعلاج الطبي الخاص لأسباب معروفة.

ملاحظة تفصيلية أخرى، وهي ان مرونة الضريبة بالنسبة للدخل هي عادة تقاس بين متغيري الايرادات الضريبية والناتج الأسمي (وليس الناتج الحقيقي)، وبالتالي فان تحقيق نمو اسمي 5% سنوياً (مثلاً نمو حقيقي 2% وتضخم 3%) هو ليس بالأمر المُعجز أو الصعب .

وعالمياً، وعلى صعيد السياسات، تركز الدول المتقدمة وذات اقتصاد السوق على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة المولدة لفرص العمل الاضافية، خصوصاً في مراحل التباطؤ وتعثر الشركات، وأحياناً من خلال منحها حوافز مؤقتة أو تخفيضات ضريبية دائمة، وليس من خلال ارهاق المشاريع الصغيرة والمتوسطة ضريبياً.

ورغم اعتراف الورقة بأهمية دفع عجلة النمو الاقتصادي، الا ان اي من توصياتها لم تتطرق الى السياسات الملحة وذات الأولوية لتحفيز النمو الاقتصادي، وبالتالي توسيع القاعدة الضريبية وزيادة الدخل الخاضع للضريبة.