صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

البنك الدولي والوصفات الجاهزة

تابعت باهتمام التباين الجلي في التصريحات التي أدلى بها مؤخراً كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بخصوص متطلبات تحسين الوضع المالي والاقتصادي في المملكة في عام 2018. 

صندوق النقد الدولي أدلى بتصريح جريء واستثنائي مفاده ان تصميم الاجراءات الاقتصادية في برنامج التصحيح المالي يتعين النظر الى تأثيراتها وتداعياتها على “الاقتصاد الاردني وعلى الفقراء”، في معرض توصيته المفاجأة وغير المتوقعة بعدم رفع الدعم عن الخبز.

البنك الدولي كان تقليدياً الى حد ما حين صرّح ممثله لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا بضرورة التحديث العملي لمنظومة الدعم في الاردن والانتقال من الدعم العيني (دعم السلع) الى الدعم النقدي المباشر، وما يقتضيه ذلك -حسب رأي البنك- من تعويض المواطنين الاردنيين المستحقين من خلال الموازنة وتعويض اللاجئين السوريين من خلال المانحين الدوليين، وذلك في “حال رفع الدعم عن السلع”. 

ولم تنحصر تصريحات البنك الدولي بمسألة الاجراءات المالية والتعويضات النقدية، بل دعا الى “رفع نسب النمو” من خلال تحفيز الاستثمارات، والمقدرّة في عام 2018 بنسبة 2.3% فقط حسب تقديرات خبراء الصندوق، ستتحقق رغم السياسات التقشفية في ادارة الطلب.

الجديد في هذه التصريحات اللافتة والهامة ان البنك الدولي عادة ما تعطي أجندته المؤسسية أولوية أكبر للتنمية الشاملة والنمو الاقتصادي التشاركي Inclusive Growth في حين ان الصندوق عادة ما يعطي أولوية للاستقرار المالي في برامجه وأجندته. 

لكن في حالة الاردن تبدو القاعدة معكوسة، وممثلي البنك الدولي يبدون الآن أكثر ميلاً الى هدف الاستدامة المالية منها للنمو التشاركي.

قد يقول قائل بأن البنك الدولي قد شدد على تحديث منظومة الدعم في حال السير قدماً بنهج الانتقال الى الدعم النقدي بدلاً من العيني، لكن هذا التوجه يتطلب عملياً وموضوعياً وقتاً وموارد ومعلومات واقناعاً للمانحيين الدوليين لجعل آلية استهداف المستحقين للدعم النقدي لا تتجاهل نسبة هامة من المستحقين خارج شبكة الأمان الاجتماعي، كالفقراء غير القادرين على العمل وغير المنضوين تحت مظلة صندوق المعونة الوطنية، والعاطلين عن العمل لفترات ممتدة، ومتقاعدي الضمان الاجتماعي المتزايدين، والاسر الفقيرة التي تعولها امرأة. 

من ناحية أخرى، فان تحفيز “الاستثمارات المنتجة” لتعزيز النمو تبدو توصية وجيهة للاردن من قبل البنك الدولي، لكن تبقى سياسات واولويات تشجيع الاستثمار المنتج متعددة وغير واضحة. 

فهل نركز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة أم على المشاريع الكبيرة والضخمة؟ هل نركز على الاستثمارات الخاصة في القطاعات السلعية أم الخدمية؟ وفي أي القطاعات تحديداً؟ هل نركز على الاستثمارات العامة أم الخاصة أم مشاريع الشراكة؟ هل نعطي أولوية لتشجيع الاستثمارات الموجهة نحو التصدير العالمي أم نحو السوق المحلي والاقليمي؟ هل نعطي أولوية للاستثمار البشري في التعليم والصحة أم الاستثمار في البنية التحتية المادية كالطاقة والمياه أم الاستثمار في رأس المال الفكري كالبحث والتطوير ونقل التقنية؟ وهل نركز على الاستثمار المحلي أم الاستثمار الأجنبي في ظل البيئة الاقليمية المضطربة؟ وما هي تداعيات القيد المالي على الموازنة العامة على أدوات وسياسات “تحفيز الاستثمارات”؟ هذه أسئلة جوهرية لابد من الاجابة عليها بعد التوصية ب”تحفيز الاستثمار”. 

عندما بدأت مسيرتي المهنية كاقتصادي في مطلع التسعينيات، كنت أنظر الى خبرة البنك الدولي باعتبارها الحدود القصوى للمعرفة وأنها “معصومة عن الخطأ”، لكن مع الخبرة والوعي والتفاعل، ظهر للكاتب ان خبراء البنك ليسوا عباقرة معصومين، بل يستندون -في نهاية المطاف- الى نموذج فكري ارشادي معين Paradigm قائم بصورة أساسية على الليبرالية الجديدة، مع كل العيوب )والمزايا) المندمجة في هذا النموذج والتي كشفتها بالكامل الأزمة المالية والاقتصادية العالمية والتطورات الاقليمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا.

كما يحلو لمعظم الخبراء الدوليين ان ينظروا للعالم نظرة ميكانيكية موحدة، فهذا يسهل عليهم مهمة تقديم الوصفات حول العالم، ويجعل حياتهم المهنية ميسرة. لكن الواقع أكثر تعقيداً مما يحب أن يظن هؤلاء. ووصفة “مقاس واحد يناسب الجميع” عادة ما تكون مخيبة للآمال، ولعل نتائج اصلاحات البنك الدولي في قطاع التعليم الاردني ظاهرة للعيان ولا تحتاج الى تعليق! .

الرأي الراجح حاليا في علم الاقتصاد الحديث، خصوصاً بعد الأزمات العالمية والاقليمية الحادة، أنه لا توجد عموماً وصفة سحرية شاملة وفريدة للنمو تنطبق على كافة البلدان، وأن تشخيص النمو ودراسة محركاته ومعوقاته الأساسية يعتمد على نهج “دراسة كل حالة على حدة”، أي بدراسة كل اقتصاد دراسة متعمقة بظروفه وموارده وحجمه ومستواه التنموي وتاريخه ومؤسساته الرسمية وغير الرسمية. 

بتعبير آخر، تدنت درجة الثقة بقابلية تقليد أو امكانية نسخ تجارب التنمية الناجحة بين الدول Experience Replicability، وذلك عائد الى خصوصيات الدول وتباين تاريخها وجغرافيتها وظروفها ومسار سياساتها ومؤسساتها السابقة. وحتى “التجارب الناجحة” هي ليست ناجحة الا باطار مكاني وزماني معين كما حدث مع تجربة ايرلندا بعد الأزمة المالية العالمية المعاصرة.