صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

إرهاصات دورة اقتصادية جديدة

إن المعطيات على أرض الواقع تشير إلى تحول كبير في الدورة الاقتصادية بالرغم من التحديات السابقة التي شهدتها المنطقة

بعدما يزيد على عشرة أعوام من السنوات العجاف اقتصادياً، وما يزيد على خمس سنوات من الاضطرابات والتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة، يظهر العام 2018 كبداية حقيقية لدورة اقتصادية جديدة، قد يأتي بداية زخمها بشكل كبير مع إطلالة العام 2020، مستفيدة من الزخم الاقتصادي للعام 2018 والعام الذي يليه. ليس هذا ضرباً من التنجيم بتوقعات العام القادم، بل تحليلاً تفرضه معطيات التطورات الاقتصادية العالمية والإقليمية، التي تعززت خلال العام 2017 بنتائج إيجابية على مستوى الكتل الاقتصادية الكبرى في الولايات المتحدة والصين والعديد من الدول الأوروبية. وقد جاءت التوقعات العالمية لنمو الاقتصاد العالمي بمتوسط يقع بين 3.7% إلى 4% وهي نسب لم تتوقعها الهيئات الدولية أو المؤسسات المختصة منذ عشر سنين. بل إن الاقتصادات الناشئة عادت لتظهر في المقدمة بنمو اقتصادي يفوق 5% وهي بطبيعتها باتت اقتصادات تحدد مسار النمو العالمي وتوجهات المؤشر الكلي لنمط النمو الاقتصادي. فالصين مثلاً، ستعاود النمو بمعدلات تلامس 7%، وهو معدل كان سمة أساسية للنمو الاقتصادي هناك قبل عقد من الزمان. والهند، التي تبوأت حديثاً مقعد الاقتصاد الخامس في العالم متجاوزة كلاً من بريطانيا وفرنسا، يُتوقَّع أن يتجاوز نموها نسبة 7.4%، وتقفز البرازيل من معدلات النمو السلبي إلى معدلات نمو إيجابية تلامس 2%. المشهد الأوروبي يظهر نوعاً من الاستقرار الكلي دون تراجعات مذكورة في النمو، وهو موقف أفضل مما كان عليه سابقاً بالرغم من تبعات الخروج البريطاني من مجموعة الاتحاد الأوروبي، والتحديات التي ستظهر نتيجة التطورات السياسية والاقتصادية المتوقعة في بعض دول المنطقة مثل إيطاليا وألمانيا واليونان. أما المشهد العربي أو مشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن المعطيات على أرض الواقع تشير إلى تحول كبير في الدورة الاقتصادية بالرغم من التحديات السابقة التي شهدتها المنطقة، ومازالت تبعاتها تهز بعض أركان الاقتصادات العربية. بيد أن النمو المتوقع للمنطقة يزيد على 5% مقابل نمو نسبته 2.6% تكاد تحققه المنطقة في العام 2017. ومن هنا فإن المعطيات الحقيقية في المنطقة العربية تدعو إلى التفاؤل بتحول حقيقي نحو دورة نمو اقتصادي إيجابية واعدة. فالأوضاع الجيوسياسية تترتب باتجاه التهدئة في المحيط العربي، وتتجه نحو حالة من الاستقرار خاصة في العراق وسورية، كما أن التحولات في الأزمة اليمنية تشير إلى توقعات بانفراج سياسي يخفِّف من فاتورة الحرب الضخمة، ويساعد على تحويل تلك الفاتورة نحو البناء والتعمير والتنمية. ولعل المحفز الآخر في المنطقة هو التوجُّه الحقيقي في الدول المصدرة للنفط، خاصة في السعودية ودولة الإمارات، نحو مزيد من الاعتماد على الاقتصاد غير النفطي، وجذب استثمارات خارجية في القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالصناعة والخدمات، وحتى الزراعة، مع التركيز بشكل واضح على الصناعات المرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة خاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات، وتقنيات النانو، والتقنية ثلاثية الأبعاد. ومن المتوقَّع أن تشكِّل الإيرادات غير النفطية في السعودية مثلاً نحو 50% من إجمالي إيرادات الدولة، ما يشكِّل نجاحاً حقيقياً في سياسات الاستدامة وتنويع القاعدة الاقتصادية الإنتاجية. والمُبشِّر في التحولات القائمة في المنطقة، هو التوجُّه الفعلي نحو الطاقة البديلة والطاقة النظيفة والاستثمار بها كبديل حقيقي للطاقة التقليدية حتى في دول الخليج العربي، والجميل أن تقود هذا التوجُّه كل من دولة الإمارات والسعودية، ما حفَّز العديد من الاقتصادات غير النفطية على التماهي مع هذه السياسة، والبحث عن استثمارات في هذا المجال. إنَّ المعطيات السابقة جميعها يشير إلى أن أمام الاقتصاد الأردن فرصة حقيقية نحو الخروج من أزمته الاقتصادية القائمة، والتي جاءت تأثراً بالأوضاع الاقتصادية في المنطقة والعالم من ناحية، ونتيجة تركيز الحكومة السابقة على مدى السنوات 2012-2015 على فرض الضرائب وتخفيض الإنفاق ورفع الدعم وزيادة الإيرادات العامة الأخرى دون النظر إلى تطوير جانب العرض وتوسيع القاعدة الاقتصادية، وتحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية، ما خفَّض وتيرة النمو إلى مستويات متدنية للغاية، ورفع معدلات البطالة إلى مستويات لم تشهدها المملكة منذ نشأتها. بيد أنَّ توجُّهات الحكومة الحالية تعكس اهتماماً حقيقياً نحو إعادة الدفة إلى القطاع الخاص، وتوجيه المزيد من الفرص إلى مجالات الاستثمار المشترك مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وهو أمر إن تحقق فسيساعد على الاستفادة من التحولات القادمة على النسقين الإقليمي والعالمي. إن هدوء واستقرار الأوضاع في كلٍّ من العراق وسورية، وحتى في اليمن وليبيا، بوابة كبيرة يمكن الاستفادة منها ليس فقط في التجارة الخارجية، خاصة أن العراق شريك مهم في التجارة الخارجية الأردنية، ولكن أيضاً في مجالات إعادة البناء والشراكة مع الشركات الدولية المهتمة والمؤهلة عملياً وسياسياً لعملية إعادة البناء. كما أن المحور السوري التركي في التجارة والاستثمار، وفي إعادة البناء قد يكون من المحاور المحدِّدة للعديد من الفرص القادمة للاقتصاد الأردني. بقي الإشارة إلى أمرين مهمَّين على النسق العالمي والإقليمي، سيحددان الاستفادة الحقيقية من المؤشرات الإيجابية للعام 2018. الأمر الأول هو أنَّ هناك توجُّهاً حقيقياً لدى الصين تسعى من خلاله إلى استثمارات كبرى مشتركة مع دول المنطقة، وهو توجُّه تقوده الحكومة الصينية عبر مشروع الطريق والحزام، ويقوده القطاع الخاص الصيني أيضاً بمباركة من الحكومة، والشاهد هنا أن لدينا العديد من المشاريع المتعلقة بالبنية التحتية وخاصة في مجال المواصلات بين المحافظات، من قطارات خفيفة ومسارات سريعة إلى سكك الحديد وغيرها، كما أن في الجعبة مشاريع كبرى لخدمة إعادة البناء في سورية بشكل خاص وفي العراق أيضاً، وهي مشاريع تنفتح لها شهية المستثمر الصيني الرسمي والخاص. كما أنه أمر ينطبق أيضاً على روسيا واهتماماتها في المنطقة، وعلى تركيا ورغبتها في الشراكة الاستثمارية، يمكن للأردن أن يكون البوابة إليه. أما الأمر الثاني فيتمثل في أنَّ دول الخليج العربي، وخاصة السعودية، تسعى اليوم إلى التحول من فكر المساعدات إلى فكر الاستثمارات المشتركة، وهو أمر باعتقادي أفضل وأدوم بكثير من فكر المساعدات والمنح، ولعلنا نجد مجالاً للولوج إلى هذه السياسة عبر مشروع “نيوم” أو حتى المشاريع التي تفتح مجالات للقطاع الخاص للعمل في السعودية بكوادر أردنية، وهنا يمكن الإشارة إلى قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والصناعات الخفيفة، إضافة إلى قطاعات النقل والتطوير العقاري والمقاولات والخدمات الهندسية والاستشارية. الشواهد العملية على مستوى النسق الاقتصادي تشير إلى أن العالم والإقليم أمام دورة اقتصادية جديدة تتجاوز السنوات العشر العجاف، وتنطلق نحو دورة جديدة من النمو الاقتصادي، لا شك أننا سنكون جزءاً منها بفعل الأثر والتأثُّر. ولكن الزخم الحقيقي للتأثر سيعتمد على ركوننا إلى دور المتلقي للتبعات فقط أو المخطط والمبادر الذي يحقق أفضل الممكن، ويُعظم المنافع ويتجاوز التوقعات من كل فرصة تلوح إليه. والمرجو أن يعمل جناحا الاقتصاد الأردني؛ القطاع العام والخاص، سوياً للتحليق بنا بعيداً عن قعر الأزمة التي هوى بها الاقتصاد منذ عشر سنين، وباتت الفرصة مواتية للتحليق بعيداً والاستفادة كثيراً ممَّا هو آتٍ. صُنَّاع القرار في القطاعين مطالبون بالعمل سوياً لتحقيق الأمل والوصول إلى الأفضل. وكل عام وأنتم بخير بمناسبة حلول العام 2018.