صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

تحفيز الاقتصاد ‘‘نموذج دبي‘‘

تعدُّ دبي من النماذج الماثلة أمامنا في حسن إدارة الاقتصاد، وفي اتخاذ الإجراءات الفاعلة التي من شأنها أن تُحفز الاقتصاد وتُحرك عجلته على أرض الواقع. ويقوم “نموذج دبي” على العمل الجاد نحو تحفيز الاستثمار القائم من جهة، وجذب وتشجيع الاستثمار الكامن أو المتوقع من جهة أخرى؛ أي مساعدة الاستثمار الموجود فعلياً في الإمارة على التوسُّع والانطلاق، وفي الوقت نفسه جذب الاستثمار الخارجي وتحفيزه لجهة اتخاذ القرار بالانتقال إلى دبي أو ببدء استثمار جديد فيها. وتعدُّ دبي اليوم الانطلاقة الرئيسة للكثير من الاستثمارات الدولية، التي لا تسهدف دولة الإمارات فحسب، بل المنطقة العربية والإقليم بشكل عام. فالعديد من المكاتب الإقليمية العالمية اتخذت من دبي مقراً لها، وتنطلق منها نحو المنطقة العربية ومنطقة شمال إفريقيا، إضافة إلى تركيا وإيران. كل ذلك مرده سياسة دبي الاقتصادية التي لا تقوم على إدخال أفضل التطبيقات العالمية فقط، بل وتجاوز ذلك بتطبيقات أكثر تميزاً عبر استشراف آفاق المستقبل، والعمل على تحقيق طموحات المستثمرين مهما كان مستواهم واهتمامهم. وتركز استثمارات دبي اليوم على المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر وتعطيها اهتماماً لا يقل عن الاهتمام بالمشاريع الكبرى، وقد جعلت دبي من الريادة والابتكار في الأعمال قضيَّةً محوريَّةً تشجِّعُ فيها المواطن من جهة، وتحتضن أيَّ مبدع أو مخترع أو مبتكر أو ريادي، مهما كان جنسه أو جنسيته من جهة أخرى. وقد أطلقت الإمارة مسابقات متعددة لاحتضان الرياديين في مجالات كتابة البرامج الحاسوبية، وفي الترجمة، وفي نقل المعرفة، وغيرها من النشاطات الإبداعية التي بالضرورة ستخلق جيلاً من الرياديين. ومن هنا فإن “نموذج دبي” للريادة ولاحتضان الاستثمارات الريادية يشكِّلُ أنموذجاً حيوياً لمن يريد حقيقة أن يُشجِّعَ أو يُنمِّيَ اقتصاده، ويرغب في خلق فرص عملٍ لمواطنيه، أو لمن يرغب في الإبداع والإنتاج والابتكار من شتى بقاع العالم. وقد لخص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بصفته حاكم دبي “نموذج دبي” في لقاء عقده منذ يومين مع المعنيين بالاستثمار في الإمارة بقوله: “يتسم اقتصادنا بالحيوية والمرونة والتنافسية وقدرتنا على التجديد، ونمتلك كلَّ مقومات الاستمرارية والريادة لتبقى دبي بيئة مشجعة وواعدة للمستثمرين كما عودناهم دائماً”. وقد جاء ذلك بمناسبة إطلاق مبادرة جديدة احتوت على حزمة مبادرات مُحفزة للنمو هدفها الأساس تحفيز وتسهيل الحياة أمام المستثمرين القائمين والمتوقعين، وزيادة ثقة المستثمرين، واستيعاب المتغيرات في عالم الاقتصاد العالمي المتغير. وقد احتوت أهم مكونات تلك الحزمة على إجراءات من قبيل: تقسيط بعض الرسوم الحكومية، ودعم شراء المنتجات المحلية، وتسهيل إتمام العمليات المالية مع الحكومة عبر التطبيقات الذكية، وتخصيص 20% من العطاءات لصالح المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الدولة، وتحصيل رسوم الفنادق من فئتي 3 و 4 نجوم بشكل نصف سنوي بدلاً من التحصيل الشهري، ووضع برنامج سياحي عملي ومناسب لمسافري الترانزيت، وإعفاء الشركات من الغرامات والمخالفات التجارية، وإشراك الشركات العالمية في اتخاذ القرار الاقتصادي عبر مجالس جديدة تضمهم. الإجرءات السابقة هي فعلا أنموذجاً يحتذى به لبيئة مشجعة وواعدة للمستثمرين، ومن هنا ففي المنطقة العربية والعالم، أصبح على الجميع اليوم أن يعترف بأنَّ هناك ما يسمى “نموذج دبي” وهو نموذج عالمي متميز يعدُّ من أفضل التطبيقات العالمية لمن أراد أن يُنمِّيَ اقتصاده ويحقِّقَ معدلات رضا وسعادة لكل من يقيم فيه، ولكل من يتعامل معه أو يستثمر فيه.
“نموذج دبي” يدعو إلى التشاركية في صنع القرار مع الشركات العالمية، وليس فقط مع الشركات الوطنية المحلية، بل يدعو إلى المرونة والتجاوب السريع مع متطلبات الاقتصاد العالمي، والتي هي متطلبات متسارعة متغيرة ولا تقبل التأخير أو التأخر. هذا النموذج يقوم على الإصرار على عدم القبول بالواقع، والتطلع إلى استشراف مستقبل أفضل، وبهذا النموذج فقد قفزت دولة الإمارات في تقرير التنافسية العالمي من المرتبة 37 عام 2008 الى المرتبة 16 حالياً، وإلى الإصرار على تبوُّء أحد المراكز العشرة الأولى خلال السنوات القليلة القادمة. “نموذج دبي” يفوق النموذج الأمريكي الذي يقوم على ما يسمى “الحُلم الأمريكي” ويتجاوز ذلك إلى ما يمكن تسميته “الواقع الإماراتي” وبين الحلم والواقع بون واسع لا يثنينه إلا ما تحقَّق فعلاً على أرض الواقع وشهدناه جميعاً. وختاماً فإنَّ نموذج دبي يبعد عن أردننا الحبيب أقل من ثلاث ساعات بالطائرة، وهو نموذج مفتوحٌ شفَّافٌ للجميع ليتعلَّم منه، ولعلَّنا أكثر من يحتاج إلى ذلك النموذج الذي تجاوز المنطقة وتحدياتها وانطلق نحو العالمية، فأصبح محط أنظار مَنْ في المنطقة، وبات الحاضن الأكبر للمستثمرين ورؤوس الأموال الذين لم تستوعبهم بلادهم، وقد باتت دبي المنطلق الأعظم لمن يرغب في توجيه استثماراته للمنطقة والإقليم. نحن بحاجة إلى التعلم من التطبيقات المُثلى التي تقودها دبي على مستوى العالم، حتى نحقِّقَ على أرض الواقع أهداف التنمية، فلدينا من الموارد الطبيعية والبشرية ما يفوق بكثير ما تكتنزه دولة الإمارات العربية المتحدة، ولكننا نحتاج فعلاً إلى نموذج يساعدنا على حسن إدارة مواردنا، ويقودنا نحو الانطلاق المستحق لاقتصادنا، والتفاؤل دوماً بأننا نستطيع ويمكننا ذلك.

د. خالد واصف الوزني
[email protected]