من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة– 5. الهجوم على بناية النوتردام

موسى العدوان

موسى العدوان [ 2016\05\28 ]

نحن الذين نقرأ عن بطولات أولئك الرجال بعد سبعين عاما من وقوعها، ماذا يمكننا أن نقدم لهم سوى الشكر والعرفان لما قدموه من تضحيات جليلة، وأن نخلّد ذكراهم، ونترحم على أرواح الشهداء الأبرار

" مع مضي الزمن ازددت اقتناعا بأهمية العمل الذي أقوم به : هؤلاء الرجال الذين واجهوا الموت في سبيل الوطن، ماذا قدّم الوطن لهم بالمقابل ؟ وتكشّفت لي جراح وأوجاع نفسية، كثيرون كانوا يشعرون أن الوطن أهملهم ونسيهم، كثيرون ترددوا في التحدث إليّ، لاعتقادهم أن الوطن لم يعد يسأل عنهم ويهتّم بهم. والآن أراني أقول : ما أجدر هؤلاء الأبطال بمزيد من الاهتمام والعناية. هؤلاء الذين حافظوا على شرف الوطن في أيام الخطر، حينما كنت أنا وأمثالي بعيدين عن الخطر ".

" المؤرخ الأردني سليمان موسى "

* * *

بعد أن قامت الكتيبة الثانية بالهجوم على القدس الجديدة واحتلت حي الشيخ جراح، ثم وصلت طلائعها إلى باب العمود في صباح يوم 20 مايو 1948، أستمر القتال طيلة ذلك اليوم. وتحسبا لقيام اليهود بهجوم معاكس، استُدعيت الكتيبة الثالثة بقيادة الرائد الإنجليزي ( نيومن ) من نابلس يوم 21 مايو، وتمركزت في حي الشيخ جراح ، بعد أن تعرضت في طريق حركتها لهجمات يهودية من موقعي هداسا ومشيرم.

صدرت الأوامر للكتيبة الثالثة بالهجوم بسريتين في الأمام وسرية لاحقة لاحتلال هدفين رئيسيين : بناية النوتردام وهي عبارة عن قلعة ضخمة تتألف من عدة طوابق، تسيطر على باب العمود وحي المصرارة، وكُلّفت به السرية الثانية. وبناية بنك باركلس وتقع بجوار قلعة النوتردام وتسيطر على المنطقة من جهتي الغرب والشمال، وكُلّفت به السرية الرابعة، بينما كُلّفت السرية الثالثة بواجب الاحتياط كقوة لاحقة. ولغرض الإيجاز فإنني سآخذ جانبا من هجوم الكتيبة، وأركز على عملية الهجوم على بناية النوتردام.

تقدمت السرية الثانية التي يقودها الملازم عيد ادليم لاحتلال هدفها وهو بناية النوتردام، بين عمارات صغيرة وعبر أرض مكشوفة في مواجهة نيران كثيفة، من جنود العدو المتمركزين في الطوابق العليا لبناية النوتردام. فوقعت إصابات عديدة بين جنود السرية واستشهد قائد السرية وتبعه الملازم محمد نجيب. فتولى قيادة السرية الوكيل فليح ماطر، حيث ثبّت السرية في البنايات الصغيرة وأخذ يشاغل العدو من مواقعه دون أن يتابع الهجوم نظرا لشدة المقاومة.

انحرفت السرية الرابعة التي يقودها الملازم غازي الحربي عن هدفها الرئيسي بناية بنك باركلس، وعادت أخيرا إلى موقعها في باب العمود. فأسند إليها هجوم لاحق لاقتحام بناية النوتردام تعزيزا لهجوم السرية الثانية. وعندما وصلت إلى البنايات الصغيرة بجانب النوتردام، أرسل قائد السرية مجموعة من الجنود لفتح ثغرة في الأسلاك الشائكة، فنفذوا ذلك تحت ستار من نيران السرية.

وعند الفجر تمكن قائد السرية الرابعة من نسف الباب الرئيسي لباب النوتردام بمدفع ( بيات )، ودخل مع عدد من الجنود إلى الطابق الأرضي للبناية، بينما بقي القسم الأكبر من سريته في الساحة الخارجية، حيث منعتهم نيران العدو الكثيفة والقنابل اليدوية من اللحاق بقائدهم. وهكذا أصبح الموقف حرجا للغاية، فلم يكن قائد السرية قادرا على الصعود إلى الطوابق العليا، ولم يتمكن جنوده الموجودين في الساحة الخارجية من اللحاق به لدعم قوته.

في هذه الأثناء اتصل قائد السرية مع قائد الكتيبة، ليبلغه بأنه احتل الطابق الأرضي وأن جنوده يتمركزون حاليا في ساحة البناية غير قادرين على الانضمام إليه، وطلب منه إرسال تعزيزات له على وجه السرعة لإنجاز المهمة. إلا أن قائد الكتيبة أجابه بأن ليست لديه تعليمات لإرسال تعزيزات وأمره بالانسحاب من البناية. ولكن قائد السرية رفض الانسحاب، وتكررت أوامر قائد الكتيبة إليه بالانسحاب وهو يصرّ على الرفض.

وعند حلول الظلام أيقن قائد السرية أن لا فائدة من بقائه، فانسحب من بناية النوتردام إلى موقعه السابق الذي انطلق منه قبل الاقتحام، بعد أن فقدت سريته 80 مصابا بين شهيد وجريح، من بينهم معظم ضباط السرية. وإذا ما عرفنا أن مجموع ملاك السرية كان 120 جنديا يتضح بأنها قد فقدت ثلثي قوتها ولم تعد وحدة فعالة في القتال.

ورغم إلحاح جنود وضباط الكتيبة الثالثة بإعادة الكرة على النوتردام، إلا أن رئيس الأركان أمر بالكفّ عن ذلك، بعد أن هبط موجود الكتيبة إلى خمسمائة جندي، كان يتوجب عليهم الدفاع عن خط طويل أمام عدو يفوقهم عشرات المرات. ونتيجة لذلك تولد لدى قيادة الجيش اقتناع بأنها لا تملك قوات كافية، لشن مزيد من الحملات الهجومية داخل مدينة القدس.

وهنا يطرح السؤال التالي نفسه : هل كانت عملية النوتردام تستحق كل هذه التضحيات ولمدة ثلاثة أيام متواصلة ؟ صحيح أن احتلال النوتردام لم يكن سيؤمن للجيش الأردني احتلال مدينة القدس، ولكن هذه البناية كانت تسيطر على مواقعه في حي المصراره وباب العمود. ولذلك كان احتلالها أمرا في غاية الأهمية، ولكن باستخدام قوات أكبر مما كان متوفرا لديهم. فكان نقص القوات سببا رئيسيا في الإخفاق باحتلال بناية النوتردام، بعد ثلاثة أيام من القتال العنيف والخسائر الكبيرة.

يقول الفريق كلوب في كتابه ( جندي مع العرب ) وأقتبس :

" اضطر جنود المشاة إلى الانسحاب من بناية النوتردام بعد أن أصبحوا مطوقين تقريبا. كان عدد القتلى والجرحى قد ارتفع إلى حد خطير، فمن مجموع مأتي رجل بدأوا الهجوم، كان النصف قد لاقوا حتفهم أو أصيبوا بجراح عميقة. كالعادة كان الذين يصابون بجراح خفيفة يتكتمون عليها ويبقون في خط النار. السرية الرابعة فقدت جميع الضباط وضباط الصف باستثناء واحد. لقد خاض ضباط الكتيبة الثالثة وأفرادها معركة القتال بشجاعة فائقة وإقدام عظيم طوال ثلاثة أيام. حاربوا بتصميم واندفاع على الرغم من العطش والعرق والجوع أحيانا ".

وأضاف كلوب قائلا : " في اليوم التالي زرت أفراد الكتيبة، فجاءني غازي الحربي الذي خاض معارك القتال ثلاثين عاما في شبه الجزيرة العربية، وانهالت الدموع على وجهه المتغضن الذي لوحته الشمس، وهو يرجوني أن أوافق على شن هجوم آخر على النوتردام. قال بلهجة الواثق ( سنحتلها هذه المرة يا أبو فارس ) ولكنني لم أوافق. كان عدد رجال الكتيبة الثالثة قد هبط الآن إلى 500 رجل فقط، ينتشرون بين الشوارع والمنازل ولا يوجد وراءهم جندي واحد من القدس إلى عمان.

في وضع كهذا لم يكن بمقدورنا الإقدام على مغامرات. لم يكن لدينا احتياط ولم يكن عتادنا يكفي لأكثر من إسبوعي قتال. لقد أنقذنا المدينة القديمة وثبتنا خط دفاعنا ومنعنا اليهود من الاستيلاء على المدينة بكاملها . . . إننا لا نستطيع أن نغامر بفقد جنودنا المدربين من أجل الاستيلاء على مبنى. وقلت لغازي: سوف نأخذ النوتردام فيما بعد، وأجاب غازي بهدوء إن شاء الله ". انتهى الاقتباس.

وبدورنا نحن الذين نقرأ عن بطولات أولئك الرجال بعد سبعين عاما من وقوعها، ماذا يمكننا أن نقدم لهم سوى الشكر والعرفان لما قدموه من تضحيات جليلة، وأن نخلّد ذكراهم، ونترحم على أرواح الشهداء الأبرار، داعين الله أن يسكنهم فسيح جناته.

المراجع :

- أيام لا تنسى / سليمان موسى.

- حروبنا مع إسرائيل / صادق الشرع.

- تاريخ الأردن في القرن العشرين / منيب الماضي وسليمان موسى.

موسى العدوان

الحظر على المنتجات الزراعية الأردنية

تصريح أجوف لوزير خارجية غائب

جنرالات الحرب المدنيون . . !

هل سيشارك الأردن بحرب برية؟

في الذكرى السادسة عشرة لرحيل المشير حابس المجالي

وسقطت ورقة التوت دولة الرئيس..!

المجزرة الكيماوية في خان شيخون السورية

الحقيقة التائهة في وعود الرئيس..!

يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى

برلمان الختم المطاطي

تصريحات رئيس لجنة الطاقة النيابية تجافي الحقيقة..!

الدكتوراه بين الحقيقة والوهم . . !

خطاب نشاز تحت قبة البرلمان

عودة المتطرفين من بؤر القتال

المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات . . هل من ضرورة ؟

من صنع الإرهابيين في الكرك؟

تراجع التعليم في تغريدة الملكة

وصفي التل في ضمائر الأردنيين ..!

دولة الرئيس: لقد حانت ساعة الاختبار..!

الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة

في رثاء الفارس الذي فقدناه

على هامش تطوير القوات المسلحة

دور التعليم في نهضة دول جنوب شرق آسيا

التطرف والإرهاب وما بينهما

محطات في مسيرة حكومة الملقي

البرلمان والحياة النيابية

ازدواجية الجنسية في الميزان . . !

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة – 10

ماذا ينتظر سيادة الرئيس ؟

القرارات الهوجاء والحكمة الغائبة

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة – 9

الشعب التركي ينتصر لقائده

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة– 8

أمي أردنية وجنسيتها حق لي. . هل هو شعار أمين؟

الأمم الحيّة تكافئ عظماءها ولو بعد حين . . !

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة - 7

حلول عاجلة في خطط الرئيس . . ولكن . . !

بين الخوف والإرهاب

المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات بين النظرية والتطبيق

المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات بين النظرية والتطبيق

العاطلون عن العمل والمعالجات الأمنية

تأهيل القيادات البديلة في مؤسسات الدولة

التحول من قادة مقاتلين إلى عمال وطن آمنين!

إرهابيون في صبيحة رمضان

التنمية الاقتصادية بين مهاتير الماليزي ومهاتير الأردني

الهجوم على قرية البرج- من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة– 6

دولة الرئيس الملقي.. حكومتكم أمام الاختبار!

في وداع المجلسين الراحلين

من صور البطولة على الأرض المقدسة– 4

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة – 3

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة- 2

مركز الثقل في عاصفة الحزم

خــاتـمــة كتــاب لقائد شهير

لن تخدعنا يا دولة الرئيس..!

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة

لا عزاء لقاتل يا سيادة الرئيس..!

يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى

الحرب البرية في سوريا

المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء وتفسير المُفسّر . . !

أما آن لحكومة التأزيم أن ترحل؟

مجلس الأمة.. بضاعتكم رُدّت إليكم..!

انتفاضة السكاكين وخطاب عباس ..!

قرارات السياسيين تفسد خطط العسكريين

غمامة رمادية في سماء قاسيون

فليرحل الشعب وليهنأ الرئيس!

هل يعقل أن يشرّع نائب شبه أمي قوانين الدولة ؟

دولة الرئيس: البيروقراطية ليست وحدها ما يعيق الاستثمار!

هل نحن مستعدون لمواجهة داعش؟

منطقة عازلة أم منطقة آمنه شمال الحدود الأردنية؟

فضيحة القمح في وزارة الصناعة والتجارة

شحنة القمح البولندية وصراع المؤسسات يا دولة الرئيس..!

لماذا تكتب ؟

منهجية التجنيد ومسار الخدمة العسكرية في توجيهات الملك

تأهيل القيادات البديلة في مؤسسات الدولة

دولة الرئيس يختزل خبز الفقراء

بين المرأة الحديدية ورافع المديونية

عاصفة الحزم تتطلب قرار الحسم

القوة العسكرية العربية المقترحة . . تحت المجهر

ورحل صانع المعجزة في سنغافورة

تفعيل وزارة الدفاع . . وجهة نظر . .!

القوة العسكرية عامل ردع لحماية الوطن

نؤكد على معارضتنا للمفاعل النووي

إن لم تكن حربنا فإنها حرب التحالف

إنقاذ الطيارين الأسرى من فيتنام الشمالية

دور الإعلام والحكومات في تضليل الشعب ؟

مسيرة باريس المناهضة للإرهاب . . هل من ضرورة للمشاركة؟

إنقاذ الطيارين من ساحة المعركة

الخدمات الطبية الملكية حمل زائد وجهود مشكورة

الصــحفيـون المـفـلســون

داعش وقضايا الإرهاب في حديث الملك

مؤسسة المتقاعدين العسكريين في حديث رئيس الوزراء

لا توقّفَ عن حديث الفساد دولة الرئيس . . !

معجزة اقتصادية في سنغافورة

نداء الجمهور كلمة حق صادقة . . !

نواب البزنس. . متى نقول وداعا؟

مؤتمر رئيس الوزراء: هل دحض الإشاعات أم أكدها؟

وركبْنا قطار الحرب على داعش

محطات تثير التساؤلات . . !

أكملها جلالة الملك . . سلمت يداك . . !

معركة داعش ومعركة مجلس الأمة

’الغاز. . والضرورات تبيح المحظورات’ في خطاب القلاب

المحطة النووية ونعمة الله علينا . . !

وانتصرت المقاومة في غزة هاشم

وترجّل الجنرال عن كرسي الدفاع

السياسة التعليمية الفاشلة تدق ناقوس الخطر

المهنة تعلّم الشرف أو تعلّم الفساد

رفقا بالوطن يا رئيس مجلس النواب

مركز الثقل في الهجوم على غزة

الرئيس ينتصر للمطربين ويتحفظ على المقاومين

غزة.. قلعة الصمود والمقاومة

أمة تتشظى وعدو يتحدى

مهاتير محمد والوصفة الماليزية للنمو الاقتصادي

على هامش الزيارات الملكية للمتقاعدين العسكريين

النهضة اليابانية من تحت الركام

لماذا يكرهون العسكر؟

الجنرال 'بارك' صانع المعجزة الكورية

مجالس النواب تبدد أموال الشعب في رحلات سياحية

مخيمات اللاجئين في الأردن.. إلى أين؟

مجلس الأمن الوطني . . هل من ضرورة ؟

نووي رحيم في البادية الشرقية . . !

عندما يلبس الأدعياء ثياب الوطنية الزائفة . . !

الخطة العشرية في رسالة الملك

مجلس النواب ينقلب على نفسه . . !

هل سيؤمن البرنامج النووي طاقة آمنة؟

الروابده والعزف على وتر الوطن البديل

حديث المكاشفة في خطاب الملك

الكعكة الحمراء تحت قبة البرلمان . . !

أيكما ينطق بالحقيقة دولة الرئيس؟

ردا على فيصل الفايز

المفاعل المنبوذ وشراء العقول..!

اتهامات غير منصفة للجيوش العربية مرة أخرى..!

اتهامات غير منصفة للجيوش العربية

عندما يسلّم نظام الممانعة للمفتشين..!

هل تنسجم النوايا مع أهداف الضربة الأمريكية؟

بشار الكيماوي والضربة المرتقبة . . !

وسقطت الأقنعة عند رابعة العدوية ..!

أما آن لهذا السفير أن يترجل ؟

هل نحن جاهزون لمواجهة تداعيات الضربة فعليا؟

0
0
Advertisement