هل نفعلها؟... اللجنة الملكية لتطوير القضاء وقوة التغيير

محمد أحمد طقاطقة

محمد أحمد طقاطقة [ 2016\11\14 ]

إن المصلحة العامة و المقتضيات الاقتصادية التنموية وتحقيق العدالة في وقتنا الحالي يتطلب نظرة شمولية بإعادة تقييم العملية القضائية برمتها


















            • تحديات جوهرية أمام اللجنة الملكية لتطوير القضاء




































            • هل نفعلها ونستبدل السيارة الفرنسية بالامريكية؟





















لأن الأنظمة القانونية والقضائية في العالم أنتجت وعبر العصور مدارس فقهية أصبحت هي المرجعية التي تنطلق منها أسس العدالة وتتبعها في نسق تشريعي وقضائي منظم ومتجانس يتفق واحتياجات كل دولة أو منطقة جغرافية وينسجم مع بعضه البعض من تشريعات وأنظمة ومرافق قضاء وسلطة تنفيذية في أنماط نموذجية هدفها خدمة المجتمع وتقديم أسس و مقومات التنمية.
و ما توصل إليه العالم هو سيادة نظامين أساسيين وهما اللاتيني (الفرنسي) والإنجلوسكسوني (الأمريكي) و اللذين طغيا وصبغا أغلب الاتفاقيات الدولية على مدى القرن الماضي إلا أن النظام الإنجلوسكسوني قد تفوق على اللاتيني و أصبح هو المهيمن على جل الاتفاقيات الدولية.
و إذا كان العالم اقتصادياً يدار الآن بانتظام من قبل ثلاثة أجهزة أو منظمات دولية، فإن أهمها هي منظمة التجارة العالمية والتي أنشأت بموجب اتفاقية مراكش و انطلقت عام 1995م بما تحوي من اتفاقيات تفصيلية للتجارة بالسلع و الخدمات والملكية الفكرية والاستثمار حيث صنعت قواعدها القانونية و جاءت منسجمة وفق المدرسة الإنجلوسكسونية بلا منازع.
الأردن و في طور بناء الدولة الفتية فقد استعان بخبرات فقهاء قانونيين عرب ليضعوا قواعد القانون المدني والذي يعتبر أبو القوانين فقد اتبعوا (و هذه حقيقة ثابتة لا ينكرها أحد) المدرسة اللاتينية الفرنسية سواء في وضع أسس مدرسة القضاء و ما يتبع ذلك أو يتفرع منه من قوانين و أصبحت بذلك المدرسة القانونية المطبقة في الأردن هي مدرسة الفقه اللاتيني الفرنسية حيث يصار في كل حين لتفسير أو تطبيق نص قانوني إلى الاستشهاد بالفقهاء الفرنسيين و القضاء الفرنسي بذلك.
تولى جلالة الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية عام 1999م حيث كان الأردن على مشارف الانضمام لمنظمة التجارة العالمية و بالتالي دخول عالم التجارة والاقتصاد العالمي من أوسع أبوابه، وهذا ما كان بالفعل عام 2000م حيث انضم الأردن لمنظمة التجارة العالمية و دخل نادي التجارة الدولية والمنظومة الاقتصادية العالمية من أوسع أبوابها .
شهد الأردن بعد ذلك تغييرات تشريعية مهولة بإصدار ما يزيد عن 200 قانون دفعة واحدة وهي كانت جزء من بروتوكول انضمام الأردن لمنظمة التجارة العالمية ومتطلبات إلزامية لاستكمال العضوية.
إن التشريعات الاقتصادية الجديدة والتي جاوزت (200) قانون هي عبارة عن قوانين إنجلوسكسونية بامتياز و ليست لاتينية فرنسية، وقد كانت ضرورية لانضمام الأردن لمنظمة التجارة العالمية، إلا أن ذلك لم يرافقه إعادة النظر في كافة المنظومة القانونية والقضائية المساندة والعاملة على تطبيق هذه التشريعات.
لقد اشتهر الأردن في العشر أعوام الماضية بأن أصبح الدولة الريادية في إقرار ومواكبة أحدث التشريعات الاقتصادية ومنها قوانين الملكية الفكرية والمنافسة والاستثمار والمعاملات الإلكترونية وغيرها وأصبح مصدراً للدول العربية سواء من حيث التشريعات أو الكوادر البشرية الخبيرة.
و إذا كانت القواعد القانونية الجديدة هي قواعد إنجلوسكسونية بامتياز موضوعاً و إجراءاً إلا أن الإجراءات القضائية و سبل التقاضي لا زالت تتبع المدرسة اللاتينية الفرنسية بما تحتوي من مسطرة قضائية تقليدية تعيق أو تبطئ من اقتضاء الحق و تفرغ (من غير قصد) التشريعات الاقتصادية الحديثة من محتواها و خصوصاً تشريعات الاستثمار ويخلق نوعاً من الإرباك بين القواعد و إجراءات التقاضي.
إن تشكيل اللجنة الملكية لتطوير القضاء بما حمل من رسالة ومعالم و أهداف محددة و منها تسريع عملية التقاضي حيث تضمن كتاب التكليف (تحديث الإجراءات والتشريعات للارتقاء بعملية التقاضي وإنفاذ الأحكام) فان ذلك يتطلب إعادة النظر في المدرسة القانونية برمتها وخطو خطوة جريئة نحو التغيير الجذري في المنظومة القانونية بالانتقال من المدرسة اللاتينية التقليدية إلى المدرسة الإنجلوسكسونية بما يتواءم ومفهوم التجارة و الاستثمار المعاصر وبما يحقق العدالة ولا يخل بسيادة القانون ويؤدي إلى التنمية المرجوة من الخطط الاستثمارية و التي رسمت على مدى سنوات.
إن الانتقال من النمط القضائي اللاتيني إلى نمط القضاء الإنجلوسكسوني لا يعدوا أكثر من استبدال سيارة صناعة فرنسية بسيارة اخرى صناعة امريكية، ولكن عملية الاستبدال هذه تحكمها الميزات والمصلحة والفائدة بما يلبي رغبات المستخدم وحاجاته.
إن المصلحة العامة و المقتضيات الاقتصادية التنموية وتحقيق العدالة في وقتنا الحالي يتطلب نظرة شمولية بإعادة تقييم العملية القضائية برمتها من ناحية الارتقاء أكثر بأفراد السلطة القضائية وإجراء التغيير الشامل الإيجابي في إجراءات التقاضي، بالانتقال من المدرسة اللاتينية إلى الإنجلوسكسونية و بما ينسجم مع تطور التشريعات الاقتصادية المحلية و العالمية.
قد لا يروق للبعض و لا يتقبل فكرة التغيير هذه و لكن لنا أسوة بالإمام الشافعي (رحمه الله) عندما انتقل من العراق إلى مصر حيث تغير فقهه بما يتناسب مع الزمان والمكان الجديدين وبما يتواءم وأحوال الناس كل ذلك في إطار مقاصد الشريعة وتحقيق العدل ما أمكن بين الناس فلكل زمان و مكان ظروفه و حاجاته الخاصة حيث ان الائمة لا يتعصبون لرأي قالوه اذا ظهر لهم الصواب في غيره !!!.
فهل نفعلها بقوة وبجرأة ونكون السباقين نحو التغيير الايجابي الكلي او الجزئي بما يخدم ويواكب المصلحة العامة والتطورات المتسارعة ؟

0
0
Advertisement