الدولة المدنية في الورقة السادسة: مبدأ سيادة القانون المطروح ومبدأ المشروعية الغائب

محمد الحموري

محمد الحموري [ 2016\12\10 ]

ليس أمامنا من وسيلة، للخروج من دولة الأشخاص إلى دولة القانون، سوى أن تنطلق دولتنا عند سنّ القوانين، من مبدأ المشروعية الدستورية ليلتزم به الجميع

قرأت بعناية، الورقة النقاشية السادسة التي طرحها جلالة الملك، ووجدت أنها تشكل أساساً لإصلاح عميق، في الدولة الأردنية كدولة مدنية، إذا ما أعطي مبدأ سيادة القانون الذي تطرحه الورقة، مدلوله الحقيقي، وكانت هناك إرادة جادة، لتوفير المتطلبات اللازمة لوجوده وتطبيقه. ونبين ذلك فيما يلي:
أولاً: الدولة المدنية يحكمها مبدأ سيادة القانون النابع من مبدأ المشروعية والدين ليس مصدراً للسلطة:
إذا كان مبدأ سيادة القانون، قد ارتبط طرحه بمفهوم الدولة المدنية، في مقابل من ترد على ذهنه الدولة الدينية، فإنني أؤكد أن الدولة الدينية تعني، أن الحاكم فيها يستمد سلطاته من رب العباد، وفقاً لتفسيرات للشرع يضعها فقه سلطاني موظف لهذه الغاية، ويصدر قراراته مُغلّفة برداء الدين، ليصبح الخروج عليها خروجاً على الشرع، ومثل هذه الدولة لم تعد موجودة في عالم اليوم، إلا في عدد محدود من الدول، أغلبها دول عربية، يتمثل كل منها في إقطاعية عائلية من الأرض، يشكل وجودها جيباً زمنياً في مسار تاريخ أمتنا، ولا أعتقد أن وجود هذا الجيب، سوف يفلت من القانون الحتمي الذي يحكم تطور النظم السياسية بعد انكسار حاجز خوف الشعوب. لكن الذي يسود في مجتمعنا العربي، هو العقيدة والشعائر والقيم الدينية التي تحكم علاقة الانسان بخالقه، وتعطيه حرية الاختيار بين الحسن والقُبح في مجالات حياته الاعتقادية والفكرية والاجتماعية والسياسية، وذلك دون وصاية عليه من أحد داخل دولته. فالدولة منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا، هي، أيّاً كان نوعها، سلطة إكراه لضبط سلوك الناس داخل مجتمعها، لكنها لا تستطيع أن تدخل إلى ضمائر الناس لتحاسبهم على ما يؤمنون به من عقيدة أو شعائر أو قيم. فإن تدخلت، زاد استبدادها عن قدرة البشر على الاحتمال.
وقرآننا الكريم يقول:
"إنا هديناه السبيل فإما شاكراً وإما كفوراً" (الإنسان: 3)
ويخاطب رسولنا العظيم بالقول:
"فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب" (الرعد: 4)
"فذكّر إنما أنت مذكّر، لست عليهم بمسيطر" (الغاشية: 21،22)
"من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنا اعتدنا للظالمين ناراً" (الكهف: 29)
"أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس: 99)
"لا إكراه في الدين، فقد تبيّن الرشد من الغيّ" (البقرة: 256)
"نحن أعلم بما يقولون، وما أنت عليهم بجبّار، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد" (ق:45)
ويترتب على ما سبق، أنه ما دامت الدولة هي أداة إكراه تمارسها السلطة لضبط المجتمع، وكان الدين وفق الآيات المذكورة ليس فيه إكراه، فلا يمكن أن يكون الدين مصدر سلطة لأحد في دولة، لأنه من غير الممكن، كما تقول نصوص القرآن، أن يفوّض رب العباد سلطانه المنزّه لأحد للحكم نيابة عنه، أو يجعل حاكماً داخل دولة يستمد سلطاته منه، سواء بشكلٍ مباشر، أو من خلال تفسيرات وتأويلاتٍ لفقيهٍ سلطاني.
وهذا يستتبع بالضرورة، أنه ما دام القرآن قد فصل بين الدين وسلطة الحكم، فإنه لا يبقى أي مصدر لسلطة تحكم الناس، سوى الناس أنفسهم، أي الناس الذين جاءت هذه السلطة لضبط حياتهم بالإكراه، حتى لا يعتدي أحد على أحد، ومن ثم، يصبح الشعب مصدر السلطة، وهذه هي قاعدة الشورى كمبدأ، ونسمّيها ديمقراطية.
ومن هنا، فإنني أؤكد، أن المنظمات التي تلبس ثوب الجهاد، لفرض مفهومها للدين على الناس، بالقتل والذبح والحرق، هي منظمات خارجة على شرع المسلمين.
وهكذا، فإن الحكم داخل الدولة، يستمد سلطاته من الشعب، وهذه هي الدولة المدنية، بحيث، تكون ممارسة هذه السلطات، وفق قواعد وضوابط محددة في الدستور، وغاياتها تحقيق مصالح المجتمع وحماية حقوق الناس وحرياتهم، وتنميتها ورعايتها، في إطار ثوابت الدين وقيمه، التي تشكل الناموس الأعلى في المجتمع، وهذه الثوابت ليست محلاً للاستغلال أو التستر بها من أحد.
واصطلاح "مبدأ سيادة القانون" الذي طرحته الورقة السادسة للنقاش، يعني في الفكر القانوني والسياسي، أن يسري القانون على الحاكم والمحكوم داخل الدولة. ومثل هذا المعنى، يعرفه الناس والحكام في الكرة الأرضية، كبدهية من البدهيات، ومن غير الممكن أن تكون غاية الملك من الورقة، تكرار بدهية لا يختلف عليها أحد.
فالملك أصدر ورقته السادسة، لا لتنطوي على فكرة أو قرار لتتسابق الأقلام والإعلام على التغني به، وإنما طرح ما فيها للنقاش، ساعياً إلى تفكير عقول تساعده، في الكيفية التي يمكن من خلالها،توظيف المعنى المبسط لمبدأ سيادة القانون، ليحقق الفاعلية المطلوبة في النظام القانوني في الدولة الأردنية.
ومن حيث الواقع الفعلي، فإن الذي يختص بسلطة الإكراه هي سلطة التنفيذ، ومن ثم لا يجوز لها أن تمارس سلطة التشريع، وذلك حتى لا تصدر تشريعات تشكل سنداً لما تقوم به من إكراه، وبالتالي يتوجب أن يكون من بيده سلطة التشريع مستقلاً عن صاحب التنفيذ. وحتى لا تتغول سلطة على أخرى، فلابد من وجود من يقضي بإعادة كل من السلطتين إلى حدودها عن الاختلاف. وهكذا وصل الفكر الدستوري منذ (200) سنة، إلى أن التوازن في أداء الدول لوظيفتها يقتضي وجود سلطات ثلاث.
ومن ناحية أخرى، فإن النظام القانوني في الدولة الحديثة، يسود فيهمبدآن متلازمان ومترابطان، يؤدي تطبيقهما معاً إلى تمييز دولة القانون عن دولة الأشخاص، وهما مبدأ سيادة القانون ومبدأ المشروعية. وإذا كان مبدأ سيادة القانون، كبدهية، يعني سريان القانون على الكافة، كما أسلفنا، فإن هذا القانون ينبغي أن يكون مضمونه، منطلقاً ونابعاً من مبدأ المشروعية، كمسلّمة لا حياد عنها.
ويعني مبدأ المشروعية، أن نصوص النظام القانوني في الدولة، يحكم صحتها وسلامتها بالضرورة، تدرج النصوص حسب منزلتها. فأعلى تلك النصوص منزلة هي نصوص الدستور، ويليها نصوص القوانين، ثم نصوص الأنظمة، وبعدها نصوص التعليمات، وآخرها نصوص القرارات. فإن خالف نص أدنى نص أعلى منه، كان النص الأدنى باطلاً. وبغير هذا، فإننا نكون أمام دولة أشخاص، يتم إلباس رغبات حكامها وأمزجتهم، أثواب النصوص القانونية.
وأمام ما سبق، فإن القانون الذي يتحدث الملك عن سيادته في الدولة الأردنية، لا بد أن يكون القانون الذي لا يخرج على مبدأ المشروعية، أي القانون الذي لا يخالف الدستور، والأنظمة التي لا تخالف القانون أو الدستور...الخ. وفي ضوء هذا الذي يحكمنا بالضرورة، فمن الدستور علينا أن نبدأ، ليكون القانون الذي يسود منطلقاً من مبدأ المشروعية.
ثانياً: الدستور الأردني وواقع المبدئين ودولة القانون في التطبيق:
1. يتكون الدستور الأردني من نوعين من النصوص، أولهما نصوص الحقوق والحريات، وهي من حيث المضمون في دستورنا، تحاكي أفضل النصوص في شرائع دول العالم. وثانيهما، النصوص التي تحكم السلطات من أجل أن ترعى الحقوق والحريات وتحميها وتتغيّا تنميتها، باعتبارها الأساس لوجود السلطات ووظيفتها، لكن هذه النصوص تم تعديلها تباعاً، فمكّنت الحكومات وأجهزتها، في مرحلةٍ أولى، من التغوّل على ما عداها، وفي مراحل أخيرة، أُتبعت بتعديلاتٍ أخرجت نظامنا الدستوري من عائلته البرلمانية، وليس هنا مقام الحديث عن ذلك.
2. وبدون العودة إلى الماضي، وما تم فيه من تجاوزات على الدستور، وخروج على مبدأ المشروعية، فإننا نبدأ من عام 2011، عندما أدت عاصفة الربيع العربي، إلى تعديل (78) فقرة في الدستور، استجابة لمسيرات الأردنيين ومناداتهم بالإصلاح. وبمعزل عن كثير من تلك الفقرات التي أعتقد أنه لا شأن لها بالإصلاح المطلوب، فإن فقرة واحدة فقط من تلك الفقرات، هي التي تشكل إصلاحاً وعنواناً لمبدأ المشروعية، لو تم تطبيقها، وهي الفقرة الأولى من المادة (128) التي تنص على ما يلي:
"لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها".
وأؤكد هنا، أن هذه الفقرة الدستورية،جاءت لتعزز بشكل واضح، ضرورة توافر المشروعية في القانون الذي تشرّعه سلطة التشريع ليسود سريانه على الكافة، وأن أي قانون في الدولة الأردنية، يؤثر على جوهر الحقوق والحريات، أو يمس أساسياتها، يكون لاغياً وتبطل سيادته كمبدأ.
3. وإذا طبقنا ما سبق على متطلبات القانون، الذي تطرح ورقة الملك للنقاش مبدأ سيادته على الكافة، فإننا سوف نجد أن هناك الكثير الذي ينبغي معالجته، لننتقل من دولة الأشخاص إلى دولة القانون. وأعطي هنا بعض أمثلة مبسطة من واقعنا:
أ‌- وفقاً للمادة (15) من الدستور:
"تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل أردني أن يعرب عن حريته بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير، بشرط أن لا تتجاوز حدود القانون"
لكن حرية الرأي التي يكفلها الدستور على هذا النحو، أفرغتها من مضمونها، نصوص قوانين تجاوزت على مبدأ المشروعية وعلى فكرة الحرية في آنٍ معاً. وأكتفي بمثالين من النصوص القانونية الفجّة التي يرجع تشريعهما، إما للفقر المعرفي عند سلطتي التنفيذ والتشريع، وإما للتواطؤ بين هاتين السلطتين:
المثال الأول: نص المادة (118/2) من قانون العقوبات القادم من الماضي ولا يزال يحكمنا حيث يقول:
"يعاقب بالأشغال الشاقة مدة لا تقل عن خمس سنوات، كل من أقدم على اعمال أو كتابات أو خطب لم تُجزها الحكومة من شأنها... أن تعكر صلات المملكة بدولة أجنبية"
لست أدري عن الذي شرع النص، كيف لم يردعه ضميره عن انتهاك حرمة نصوص الحريات في دستورنا، لكننا الآن أمام واقع ينبغي إصلاحه.
والمثال الثاني: هو نص قانوني تجريمي، تم تشريعه عام 2014، رغم أن نص المادة (128/1) من الدستور الصادر عام 2011، يمنع ذلك بوضوح، وأعني نص المادة (3/ب) من قانون منع الإرهاب،الذي لا يستطيع ستر شذوذه، إنس ولا جان، حيث جاء فيه:
"يعاقب بالأشغال الشاقة كل من:
قام بأعمال من شأنها أن تعكر... صلات المملكة بدولة أجنبية"
إن شمولية تطبيق النصين القانونيين السابقين، واتساع مدلولهما التجريمي وشذوذهما العقابي، يعصف بفكرة الحق والحرية من أساسها، ويستهتر بالمادة (128/1) من الدستور التي تحميهما، ويقتل مبدأ المشروعية في مهده، ومع ذلك، فإن النصين لا زالا يحكمان الأردنيين، رغم مخالفتهما لمبدأ المشروعية. أما سند إلزامهما للأردنيين، فهو سلطة الإكراه الواقعي، المفروضة بإرادة الأشخاص، وليس بموجب حكم الدستور. وأعني بإرادة الأشخاص، إرادة أصحاب النفوذالواقعي، الذين يحركون الأزلام للتفسير والتطبيق، والأقلام للتسويق، والإعلام للتلميع والتزويق!
في اعتقادي، ليس هذا هو مبدأ سيادة القانون الذي طرحته الورقة السادسة، ويريد جلالة الملك، أن يتوصل الأردنيون في النقاش إلى تحديد مدلوله ومتطلباته، وإنما المقصود في الورقة، هو القانون الذي تصدره السلطة المختصة، انطلاقاً من مبدأ المشروعية الدستورية.
ب. وحتى لا أطيل، فإنني أذكّرببعض الحريات التي كفلتها مواد الدستور، ومن ثم أشير إلى القوانين التي اعتَدَت عليها، وعصفت بمبدأ المشروعية الذي يشكل الأساس لمبدأ سيادة القانون في الدولة المدنية:
= تنص المادة (15/2) من الدستور، على أن "تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام ضمن حدود القانون" وهنا علينا أن نتذكر النصوص القانونية التي تفرغ هذه الحرية من مضمونها، ثم واقع تطبيقها، الذي يجعل أصحاب الصحف و/أو رؤساء تحريرها، في رعب دائم، خوفاً من نشر مقال، أو وجود فقرة أو جملة في مقال، لا تُرضي صاحب نفوذ ظاهر أو خفي، إرادته هي القانون، أو هي التي تحدد مدلول القانون الذي يسود، عبر الـ (ألو)، وبعدها ليذهب مبدأ المشروعية إلى الجحيم، ومن لا يصدق، فليجرب ما سوف يقرره بحقه أتباع ظاهرون، يُؤمرون فيطيعون.
= وذات الحال يسري على قانون الأحزاب العقابي، رغم أن الأردنيين يستمدون حقهم وحريتهم في إنشاء أحزابهم مباشرة من مادة الحريات رقم (16) من الدستور،دون وصاية من أجهزة أو نصوص، تتكفل بجعل تلك الأحزاب عاجزة عن النمو، كما يسري ذات الأمر على مواد الدستور، رقم (67)، التي توجب انتخابات نيابية مباشرة، ورقم (6) التي تنص على أن الأردنيين متساوون أمام القانون، ولا تمييز بينهم في العرق أو اللغة أو الدين، وجاء قانون الانتخاب،ليمزق لُحمة المجتمع، ويتمرّد على المشروعية الدستورية التي تفرضها المواد المذكورة، وفقاً لتفسيرات شاذة،تضعها فتاوى الإفك حسب الطلب للإرضاء.
ومن حيث الواقع المُعاش، فإننا في مجال الأحزاب والانتخابات، نلمس بسهولة ويُسر، أن السيادة الواقعية هي لأشخاص من أجهزة السلطة التنفيذية،يقفون وراء ممارسات تنطلق من قوانين رغباتهم وتوجهاتهم، الحريصة على عدم التطور إلى ملكية دستورية، تُمكّن الأغلبية الحزبية فيمجالس نواب تجسد الإرادة الحقيقيةللشعب، من إفراز رئيس الحكومة ووزرائه، فكانت محصلة تلك الرغبات والتوجهات، سلوكيات وتصرفات، تفرض واقعاً عُرفياً يسمونه ديمقراطية، وليذهب بعد ذلك فقه الحريات، وفقه الدساتير والقوانين ومبدأ المشروعية إلى الجحيم، من أجل أن تستمر منافع ومصالح بطانات وحلقات حكم، سارع أمثالها في تاريخ النظم السياسية القريب، في القفز من سفينة الحكم عند جنوحها، لا يردعهم في ذلك إلاًّ ولا ذمة.
أما من حيث الواقع التشريعي، فإن نظامنا القانوني، يحتوي على الكثير الكثير، من القوانين الخارجة على المشروعية الدستورية، وما سبق أن أوردناه كأمثلة،من نصوص قوانين تحكم واقع الأردنيين، تحت ذريعة سيادة القانون، يبين بوضوح، الكيفية التي يتم فيها الخروج على مبدأ المشروعية.
إن الفصل بين مبدئي سيادة القانون والمشروعية، لا يقيم دولة مدنية ولا دولة لها صلة بواقع اليوم، وإنما يقيم حكم دولة أشخاص، يستخدمون أدوات الدولة ووسائلها السلطوية، في الفرض والإكراه، والقهر والإسكات، ومثل هذا النهج، أخرج من التاريخ، إحدى وأربعين أسرة حاكمة في أوروبا، توارث بعضها الحكم لأكثر من ألف سنة، وهي تجلس على راس أنظمة سياسية، لكن بطاناتها غرّرت بهاوأغوتها بعدم الاستجابة لشعوبها، فتجاهلت عاصفة الربيع الأوروبي، التي كسرت حاجز خوف الشعوب، منذ انطلاقها في 22 شباط عام 1848، وما جرى لأسرة الهوهنزوليرن الألمانية وأسرة الهابسبيرغ النمساوية خير مثال.
إن عزل مبدأ سيادة القانون، وسلوكيات من لا يعنيهم القانون، عن مبدأ المشروعية الدستورية، فتح الباب على مصراعيه عندنا، لتجاوز السلطات وتغوّلها،وأعاق الإصلاح في دولتنا، وما يشهده الواقع الأردني، من تذّمر وشكوى، حول الفساد والمحسوبية، وارتفاع المديونية، واستمرار المطالبات بتحسين الأحوال، خير شاهد ومثال.
وفي المحصلة، فإنني أضيف بكل ثقة، أنه ليس أمامنا من وسيلة، للخروج من دولة الأشخاص إلى دولة القانون، سوى أن تنطلق دولتنا عند سنّ القوانين، من مبدأ المشروعية الدستورية ليلتزم به الجميع، وعندها سيأخذ مبدأ سيادة القانون الذي حرص جلالة الملك على طرحه للنقاش، منزلته المطلوبة في نظامنا الدستوري والقانوني، ونوفر متطلبات مبدأ ثالث، لا غنى عنه في دولة القانون المدنية، وهو مبدأ تلازم السلطة والمسؤولية الغائب، الذي طال انتظار عودته.لكن عودة الغائب هذا، تستوجب أن يكون من بيده سلطة القرار، مستقلاً وصاحب ولاية حقيقية، وأن يمارس عليه الشعب الذي جاء به، والمؤسسات المدنية لهذا الشعب، إضافة إلى القضاء الذي يتمتع قضاته بالاستقلال والحصانة، رقابة تتيحها حريات دستورية غير مفرغة المضامين، لتكون فاعلة ومنتجة. وهذا هو الاصلاح السياسي الحقيقي المطلوب.

0
0
Advertisement