العدل أساس الملك... هيبة القضاة حالة دون نجواهم.

محمد أحمد طقاطقة

محمد أحمد طقاطقة [ 2016\12\24 ]

لا يعقل أن تكون مداخيل و رواتب أعضاء السلطات التنفيذية و التشريعية و ميزاتهم وحوافزهم سواء بالمال أو الإعفاءات أو التامين الصحي أعلى من نظيرتها في السلطة القضائية.

لم يختلف تشرشل عن ديجول في إجماعهم على ان القضاء هو العمود الفقري لسلامة الدولة الحديثة و عصبها و خصوصاً مع الدمار الذي اهلك بلدانهم بعد الحروب العالمية بمقولتهم المشهورة " طالما القضاء بخير فكل البلاد بخير".
و ليس بعيداً عن ذلك في اصول ديننا و فقهنا ما ارساه السابقون من دروس و عبر و حكم و أمثال في الإشادة بأيقونة القضاء نبراسهم في ذلك الآية الكريمة " وان حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل " .
فالعدل هو اساس الملك و هو النقيض للظلم و الاستبداد و الفساد و لا يكون ذلك الا من خلال جهاز قضائي مستقل بماله و ارادته عن باقي السلطات.
و قد كان القضاة و كما عهدناهم أنموذجا في الإيجاز و الشمول لمقترحاتهم لجهة تطوير القضاء و ذلك في إطار ردهم على تعميم رئيس المجلس القضائي و الذي طلب فيه سماع المقترحات لتطوير القضاء بمناسبة تشكيل اللجنة الملكية لتطوير القضاء للنهوض بالمرحلة القادمة.
وان كانت مقترحات تطوير القضاء قد عولجت بذكاء و شمولية من خلال رد السادة القضاة الا ان ما يهمنا في هذا المقام ان نقول ما لم يقله القضاة ذلك أن هيبة القضاة ورفعة شخوصهم و عزة نفسهم و مكانتهم التي نجل إجلالا و نحترم (و هي احد أهم ركائز شخصية القاضي) قد حالت دون بث نجواهم عن تفاصيل صغيرة تمس عملهم اليومي و لكنها كبيرة جدا في أثرها وآثارها.
لقد أكبرت بالسادة القضاة و أنا أقرأ ردهم في معالجتهم للشأن العام لسياسة القضاء حيث نسوا أو تناسوا انفسهم و ترفعوا من ان يبثوا تفاصيل عملهم و شكواهم وهذه شيمتهم التي تزيد من مكانتهم و تعلي من شأنهم.
و لكن ... و ان سكتوا فلزاماً علينا ان نقلها و هذا اقل واجب نقدمه للوطن عامة و للقضاة خاصة.
ايها السادة الكرام... قديماً قيل الكثير في حال القاضي لحظة إصداره لحكمه و لكن من بين افصحها ما قاله الماوردي (ابو الحسن البصري) " ينبغي للقاضي أن يعتمد بنظره , الوقت الذي يكون فيه ساكن النفس معتدل الاحوال ليقدر على الاجتهاد في النوازل و يحترس من الزلل في الاحكام , فإن تغيرت حاله بغضب او حرد تغير فيها عقله و خلقه توقف عن الحكم احترازاً من الزلل فيه".
و بالنظر لحال القضاة في أيامنا هذه فإننا نجد بأنه لزاماً إعادة النظر في ظروفهم و احوالهم و تفقد تفاصيل حياتهم.
فمن جانب الاحوال المادية فان دخل القضاة متواضع نسبياً و لم يواكب التضخم الحاصل و لم يأخذ بعين الاعتبار ويراعي بشكل كافي أننا أمام مهنة (قاضي) و هي ارفع المهن على الاطلاق.
و التي تقتضي أن تكون في خانة خاصة غير مقرونة أو منظورة بعين القياس بباقي المهن و عليه فإن اعادة النظر في رواتب القضاة بالاضافة لما ورد في كتابهم لرئيس المجلس القضائي فانه يتوجب مضاعفة هذه النسب بالمطلق وان يتم و إخراجها بشكل تام من مفهوم و مقياس سلم الرواتب العادية التقليدية.
و من جانب آخر يحق لنا أن نتساءل نيابة عن القضاة انفسهم بانه كيف يكون حال القاضي الذي يقرر شراء منزل (شقة) للسكن؟ و ما هي الالتزامات المالية المتراكمة نتيجة لذلك؟ و ما الدور المطلوب لمعالجة هذه المسألة؟...هذا و ناهيك عن الالتزامات الناجمة عن تعليم الابناء ! فما بالكم يا سادة في مجرد التفكير في تعليم احد الأبناء في الجامعة ... فهل سيبقى من الراتب شيء؟....إن هذه الحقائق مقلقة!
و بين هذا و ذاك تدور في وسطها فكرة العلاج و التأمين الصحي و ما نلاحظ من معاناة لا يفصح عنها القضاة ة ولا يشكو هماً, فهل هذا يدعونا للسكوت و عدم تسليط الضوء على ذلك ؟ لا بل إذا تجاوزنا هذا وذاك فان هنالك ملحوظة غاية في الاهمية و الخطورة و هي التغيير الكبير في عبئ العمل وبالأخص في عدد القضايا المدورة و المنظورة لدى كل قاضي و التي بدأت تخرج عن حد الاستطاعة البشرية حيث تضاعفت عدد القضايا في العشر سنوات الاخيرة و المنظورة لدى كل قاضي إلى ضعفين و ثلاثة و أربعة
أضعاف!!! لا بل قد تصل إلى عشرة
ناهيك عن الفصل في القضايا وأعدادها التي يقوم بها السادة القضاة خلال العام والشهر والأسبوع واليوم الواحد و الذي بدأ يخرج في إطاره عن كل الأعراف البشرية و العالمية و يفوق قدرة الإنسان الطبيعي وساعات العمل التي تبدأ في الصباح ولمدة ثماني ساعات متصلة مرورا بحمل أكوام من ملفات القضايا إلى السيارة ( والتي قد لا تتسع أحيانا) في طريق العودة للمنزل و انتهاءا بقضاء باقي اليوم في دراسة وفصل الدعاوي الأمر الذي نتج عنه شبه انعدام لوقت الراحة ناهيك عن التقصير في العلاقات الاجتماعية فعمل القاضي أصبح على مدار الساعة دون توقف ...فهل يقبل ذلك؟ وهل يقبل ان لا يكون للقاضي متسع من الوقت للقراءة والتعلم والاستزادة في العلم والترفيه والتمتع بحياته الخاصة!.
ففي حين يرزح القاضي تحت ضغط العمل والإرهاق بأقصى درجاته فان القاضي مطالب بذات الوقت بالالتزام بأعلى درجات المهنية والتفاني وحسن السلوك و الأداء ,وان أي ا خطأ أو زلة يقع بها تكون عواقبها وخيمة عليه في الرقابة و التفتيش!.
فالقاضي اصبح يقدم علمه و يلتزم بمعايير و مبادئ و سلوك القضاة أمينا عادلا في عمله ومنصفا لحقوق العباد ومخلصا للقسم الذي أداه قبل تولي مهمة القضاء لكنه من جانب أخر أصبح منهك صحيا وماليا واجتماعيا, يخشى الجزاء إذا اخطأ ...ولكن أو ليس حريا بنا في المقابل مكافأته على جهده الإضافي المشكور عليه هذا؟ الا يجب الاخذ بعين الاعتبار لرجل العدالة ان تتحقق ادنى درجات العدالة بحقه في مكافأته على العمل المضاعف الذي يقوم به؟؟
لم يعد خافياً على احد حجم الجهد المضاعف الذي يقوم به افراد الجهاز القضائي و الذي يجب اخذه بعين الاعتبار و ايجاد افضل الوسائل لموازاة "الغرم بالغنم".
فلا يعقل أن تكون مداخيل و رواتب أعضاء السلطات التنفيذية و التشريعية و ميزاتهم وحوافزهم سواء بالمال أو الإعفاءات أو التامين الصحي أعلى من نظيرتها في السلطة القضائية.
فان كان القاضي مطالب بأعلى درجات المهنية و التفاني فانه من جانب اخر يجب ان يكافئ على ذلك وهو يمارس أسمى مهنة في التاريخ الحضاري .
ليس في كلماتي هذه اي انتقاص من مكان و سمو قضائنا ولكن الحكمة تقتضي علينا ان نرفع و نعلي من شأن القضاء, فما نراه من طيور ذات ألوان زاهية مهاجرة من نخب القضاة للعمل خارج البلاد يثير غيرتي على وطني و يدعوني لارفع صوتي بان يكون دخل اصغر قاضي أعلى من أعلى أي دخل موظف أخر في الدولة و ليس في ذلك انتقاصاً من قيمة احد و لكنه انتصاراُ لنا فردا فردا من افراد المجتمع .
ولا سبيل إلى ذلك في معالجة كل ما سبق ذكره اللا بإعادة النظر ودراسة كافة تفاصيل وجوانب حياة القاضي بدأ من اختياره مرورا بخدمته وانتهاءا بتقاعده سواء لجهة الكفاءة او التطوير او الرقابة العادلة وعلى راس ذلك المكافاة العادلة ماديا واجتماعيا ومعنويا ولا يتسنى كل ذلك اللا بافراد موازنة خاصة للجهاز القضائي ضمن الموازنة العامة للدولة كما هو الحال في العديد من المؤسسات الوطنية الأخرى ....لا بل هم أولى بذلك, وبخلاف ذلك سيبقى الحديث عن استقلال القضاء وتطويره جهازا وأفرادا مجرد أمنيات وشعارات .
ذلك انني كمواطن قد اقبل الجوع و العطش و البرد و لكن لا اقبل ابداً بالظلم و هذا يتطلب منا ان نرتقي اكثر و أكثر بالقضاء ومفهوم العدالة النموذجية والتي لا تصدر اللا من خلال قضاة يعيشون و يمارسون القضاء بين الناس و هم في عزة و سعة من العيش الكريم ... ذلك ان العدل هو اساس الملك ... و دمتم.

0
0
Advertisement