فَلنُنقِذ الاقتصادَ الأردني قبل فواتِ الأوان

علي القيسية

علي القيسية [ 2017\02\09 ]

لا يُمكن لأي دولةٍ في العالم المواظبة على بناءِ حساباتها المالية وفقاً لمقدار المساعدات والمِنح التي تُقدّم لها من قِبَلِ دولٍ شقيقةٍ وأخرى صديقة

يمُرُ الاقتصاد الأردني راهناً بأدق منعطفاته وأشدها حُلكةً، في بلادٍ لربما دفعت ثمنَ متغيراتٍ جيوسياسيةٍ وأخرى دوليةً لم تكُن ضمن نطاق سيطرتها وحسبانها، لكنها تدفع في المقابل أيضاً أثماناً باهظةً ولّدها غياب عامليّ الإبداع والابتكار وتفضيل الاستكانة لنمط كلاسيكي غير مُستدام في إدارةِ مؤسساتٍ وقطاعاتٍ كان يعوّل عليها لتكون درعاً واقياً يحول دون بلوغنا هذا الواقع المؤرق.
يُدرك الجميع حجم الضغوط الديموغرافية والاقتصادية التي نتَج عنها أخرى اجتماعية في دولة استوعبت ما يفيض عن طاقاتها، موجات بشرية متلاحقةٍ وجَدت ملاذاً ومستقراً آمناً بين ظهرانيّ مجتمعٍ ما انفك يُرحب بالمكلومين من أبناءِ جلدته، كما يُدرك غالبيتنا بأن المملكة لا تحظى بالمواردِ المتدفقةِ التي من شأنها ضمانُ معيشةٍ رغدةٍ لمواطنيها وضيوفها، غير أن الغالبية تعلمُ أيضاً بأن السياسات الاقتصادية المتبناة في عمّان كانت أحد أهم الأسباب التي أدخلت البلاد في نفق لا يكاد يُرى نوراً في آخرِه.
لا يُمكن لأي دولةٍ في العالم المواظبة على بناءِ حساباتها المالية وفقاً لمقدار المساعدات والمِنح التي تُقدّم لها من قِبَلِ دولٍ شقيقةٍ وأخرى صديقة، على أن تُتمّها من جيوب المواطنين الذين سيُطلب منهم أيضاً إدامةَ حالةِ التأهبِ لتغطية المزيدِ من العجز المالي فيما لو تبدّلت وتحوّلت أشكال التحالفاتِ والمواقفِ الإقليميةِ والدوليةِ التي يَتصدرها تراجع قدرات دول مجلس التعاون الخليجي وتغيُّرِ النظرة الأميركية إزاء المنطقة.
ولا يُمكن معالجة أي أزمة اقتصادية تواجهُها أيٍ من البلدانِ عبر اللجوء لحلول آنية تُسهم في تأجيل واحتواء تداعيات الأزمة إلى حين، وهنا فإن الحلولِ الاستراتيجية الحاسمةِ لا تعني طبعاً اللجوء لرفع أسعار بيض المائدة أو فرضِ رسومٍ على خدماتِ الاتصالاتِ والوقودِ أو العملِ على بعثِ رسائلٍ من على منابر المساجد.
في كلِ مُنعطفٍ يَمُرُّ به الاقتصاد الأردني، يكتشف المواطن قلةَ حيلةِ مؤسسات بلادهِ وضحالةِ حنكتها في إدارةِ الموقفِ والتعاطي مع تفاصيله، إذ أن خياراتها باتت محفوظةً ومحصورةً بين اللجوءِ للمساعداتِ أو الاستعانة بمُدخراتِ مواطنيها المُنهكين، دون أن تتكلّف عناء البحثِ عن أدواتٍ إصلاحيةٍ جادّةٍ أو خلق قنواتٍ بديلةٍ تَضمن تطوير البنية التحتية ومناخِ الاستثمار الكفيلان بخلق مزيدٍ من فرص العمل، بما يُفضي إلى زيادة إنتاجيةِ الاقتصادِ وتعافيهِ بمرور الوقت.
قد يقول قائلٌ إنك تَتشدقُ بتناولِ الأمرِ من جانبٍ نظريٍ، فمن هي تلك الجهات الاستثمارية المؤثرة التي تودُ القدوم إلى دولة تَحلُ بالمرتبتين 57 و63 على سُلم مؤشري الشفافية والتنافسية العالميين، وقد تصطدم بحالة تكلُّسٍ واهتراءٍ أصابت مؤسسات معنية بإدارة دفة اقتصادٍ أخذ يفقِد مزاياه التنافسية في قطاعاتِ الصحة والتعليم والسياحة وصناعات الدواء والتعدين؟، غير أني أرى أنَ الفرصةَ لا تزال سانحة للنهوض بالاقتصاد من كبواته إن توافرت الإرادة والأدوات الكفيلة بتحقيق ذلك.
وعلى الرغم من ابتعادي لنحوِ عقدٍ من الزمن عن المتابعة الدقيقة لواقع الاقتصاد الأردني وتفصيلاته، بيد أنني أرى بأن بعض المقترحاتِ المتواضعة قد تُسهمُ بدرءِ استمرارِ انحدارهِ، مستقياً بعضَها من تجاربِ دولٍ ناشئةً وأخرى متقدمة، نجحت في خوض غمار إصلاح جذريٍ مَكنّها من تجاوز عنق زجاجة تحدياتها الاقتصاديةِ والتنمويةِ، فيما يلي بعضها:
1- في ظل ضَبابيةِ موقفِ الإدارة الأميريكية الجديدة حيال المنطقةِ برمتها، لا بدَ من العملِ على فتح مزيدٍ من نوافذِ التعاون مع دول كبرى أخرى، إذ لا أجد ضيراً في التعاطي مع الصين لأغراض بناء شبكة مواصلات متطورةٍ تتضمن قطارات ومترو وفقا لنظام البناءِ والتشغيل ونقل الملكية BOT، مستثمرين الاحتياطات النقدية الهائلة لدى بكين اللاهثة شركاتُها خلف الملاذاتِ الاستثمارية الخارجية، وهو أمرُ لن يكون مُكلفاً لخزينة الدولة فضلاً عن كونه ضامناً لخلق فرص عملٍ واستثمارٍ طويلةِ الأجل، إلى جانب دوره في تقليص أعباء ميزانية الوقود الباهظة التي يَحتارُ المواطنُ صبيحةَ كل يومٍ في كيفية تلبيتها.
2- إعادةُ النظرِ في كيفية التعاطي مع الخطوط الملكية الأردنية التي يتحمل المواطن جزءاً مهماً من خسائرها المتراكمة، وذلك عبرَ إحالة مَهمة إدارتها لشركة إقليمية أو عالمية ذات سجلٍ مشهود من النجاحات.
3- اللجوءِ لتقنيات الزراعة المائية التي تُمكّن حتى سكان الباديةِ من تغطية جزءٍ مهمٍ من حاجاتهم الغذائيةِ نتيجة تجاوز هذه التقنيةِ لتحدي شُح المساحات القابلة للزراعة مُكتفيةً بماء الندى أو بالمياهِ غير المُعالجة.
4- الالتفاتُ للمغتربين البالغ تعدادهم قرابة 680 ألفاً يقومون بإجراء تحويلات سنويةٍ تربو على 3.3 مليار دولار تمر غالبيتها في قنواتٍ استهلاكيةٍ غير منتجة.وهنا أقترح إنشاء صندوق استثماري يروَج لنشاطاتهِ بين المغتربين ويقومُ على إدارته مجلس يتحلّى أعضاؤه بالثقة والجدارة، بحيث تتمحور مَهمته حول الاستثمار في قطاعات غير مُغامرة من قبيل الطاقةِ المتجددةِ، ضمن عوائدٍ متفقٍ ومنصوصٍ عليها في نشرة اكتتاب وحدات الصندوق.
5- هناك علاقة طردية معروفة بين موقع الدولة على سُلّم مؤشري الشفافية والتنافسية وقدرتها على اجتذاب رؤوس الأموال وهو نموذج يُمكن قياس فعاليته على دول البلطيق "إستونيا ولاتفيا وليتوانيا" وهي بلدانٍ قَطفت ثمار إصلاحاتها الجذرية على هيئة تدفق رساميل هائلة أسهمت في إقامة مشاريع ألقت بِظلالها الإيجابية على سوق العمل، وفي حالة الأردن، فإن هذا الأمرَ لن يتأتّى دونَ تطويعِ التشريعات وتحديثِ الخدمات الإلكترونية وإطلاق يد ديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد ووقوفهما على كل المخالفات دونما نظرٍ لطبيعةِ مُرتكبها، هذا فضلاً عن إنفاذ الإصلاحات الجذرية الأخرى المتعلقة بآلية التعيينات الحكومية التي تَغلب فيها المحسوبية على عامليّ العدالةِ والكفاءةِ بالتزامن مع تعميقِ الشفافية والحوكمة في سوق رأس المال.

6- أرى أن المشكلة الجوهرية تتمثلُ بسيادةِ قناعةً مجتمعيةً أردنيةً تتجسدُ بوجودِ علاقةٍ طرديةٍ بين نيل الشهادات العليا وفرصة أصحابها في العثور على فرص العمل، وهو أمر غير صحيح البتة، إذ أن ألمانيا التي أقدمت خلال السنوات الماضية على منعِ اقتصاديّ إسبانيا واليونان من الانهيار، تمتلك نسبياً عدداً أقلَ من خريجي الجامعات مقارنةً بمدريد وأثينا، حيث اعتمدت برلين على خطين مُتزنين ومتوازيين في تأهيل مواطِنيها أكاديمياً ومهنياً، ما مَكّنها من مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية بجدارةٍ فيما رزحت إسبانيا تحت وطأة معدلاتِ بطالةٍ شكلت 24 بالمئة من قوتها العاملة.
ومن هنا، ينبغي إعادةُ النظرِ بكيفية التعامل مع مدخلات التعليمِ الأكاديمي والحَرَفي لِتُوائِم متطلباتِ السوقِ، وهو أمر يتطلب إعادة تصويب واقع الجامعات لتكونَ ملاذاً حصرياً للقادرين على الإبداعِ الأكاديمي، مُقابل البحثِ عن سبلِ الاستفادةِ من المؤسساتِ الصناعيةِ والتكنولوجيةِ العالميةِ لتنقل خبراتها ومعارفها الفنية لمراكز التدريب المهني لترتقي هذه الأخيرةِ بمستوى خريجيها في دولة يوازي فيها تعداد العاطلين عن العمل عدد نظرائهم الوافدين المهيمنين على مختلف الحِرف.
7- لا أزلتُ مُقتنعاً باستمرارية تفوّق قطاعيّ الطبِ والصناعاتِ الدوائية في المملكة مقارنةً بمحيطها الإقليميّ العربيّ، لكن توظيف النجاح المتحقق بهما لم يَنعكس بشكل مثالي على تحويل البلاد لوجهةٍ سياحيةٍ علاجيةٍ متكاملةٍ قادرةٍ على تحقيق دخلٍ مستدامٍ ومتطورٍ يتماهى مع زيادة الطلب على هذه الخدمات من قبل مواطني الدول المجاورة.
نتمنى أن تتمكن البلاد من تجاوزِ عثراتها الاقتصادية التي أسفرت عن ضغوطاتٍ مجتمعيةٍ مؤلمةٍ نأملُ سرعةَ تَبَدُدِها.
نقلا عن مدونة الجزيرة

0
0
Advertisement