مجتمعاتُنا تُدينُ الفسادَ وتمارِسُهُ!!

علي القيسية

علي القيسية [ 2017\02\18 ]

المؤشر الصادر قبل أيامٍ عن منظمة الشفافية يُجدد تأكيده -بما لا يدعُ مجالًا للشك- بأننا لا نريدُ تعديل موقفنا حيال هذه الآفة التي تستشري في مجتمعاتنا ومؤسساتن

يَصعَدُ إمامُ مَسجِدِ حارتِنا مِنبرًا خشبيًّا مُعتمِرًا قُبّعة صينية، ومُرتديًا لباسًا نُسِج قماشه مِن خيوطٍ إنجليزية، ليُلقي خطبة حماسية يُضاعفُ صدى صوتها مِذياعٌ ياباني، ليدعو على أممٍ -أشاعت الفسادَ بالأرض- بالهلاك، حاضًّا المُصلّين على مُقاطعة منتجاتها، ثم ما يَلبثُ أن يُنهي خطبتهَ مُمتطيًا صهوة سيارة ألمانية، للتأهبِ للمغادرة في رحلة دعوية على متنِ طائرة صنَعَها مهندسونَ في سياتلِ الأميركية أو تولوزِ الفرنسية، دونَ أن يَغفلَ قبلَ ذلكَ عن التواصلِ مع ذويهِ عبرَ هاتفٍ كوري جنوبي، مُصطحبًا معه أدويتهُ ذاتَ المنشأ السويسري، في حقيبة جلدية هِندية.
لكن ما طرَحهُ الإمام المُفارق لمِنبره وبلدهِ لم يبرح قطّ موضعهُ، إذ تركَ في مخيلة المُصلين آمالًا عريضة زائفة بدنو أجل عودتِنا لقيادة البشرية، ضاربًا عُرض الحائطِ بجميع المعطيات الاقتصادية والثقافية والحضارية التي جعلتنا في آخر سرب تتقدمهُ تلك الأممُ (الهالكة) ذاتُ التصنيفِ الرفيعِ في مؤشر مُدركات الفساد الذي تواظب بِلادُنا على تذيّلهِ عاماً تلو آخر، بحسب تقارير منظمة الشفافية الدولية السنوية.
ولم يقتصر الأمرُ على ذلك أيضاً، فقد أسهم الإمامُ بإفساد عقولِ مُستمعيه اللائمين أنفُسَهم على التقصير في تبني منهج مقاطعة سلعِ تلك الأمم وأفكارها، بيد أن الخطيبَ ذاتهُ لم يُكلف نفسهَ عناءَ تغذية خيالاتهم بماهيّة السبل الكفيلة بتمكينهم من الاعتماد على إنتاجِهِم الذاتي.
لم يكُن الإمامُ حالة فردية تتبنى ذاك النهج، فهو مُجردَ حلقة من سلسلة ترى في هذا النمطِ وسيلة للنيلِ من أممٍ لا تُشاطِرنا الفكرَ والعقيدة والمواقف أيضًا، والتي ينبغي عليها دفعَ ثمنِ إفسادها في الأرضِ فاتورة حتمية تقودُها إلى مذبحِ الهلاكِ والفناء، وحينها ستُهيّئ لنا السبل لتبوّء المكانة التي تليقُ بنا، وإن لم نَسلك الدروبَ التي تجعلُنا نستَحقها.
يتغزلُ أستاذٌ في مدرسة متوسطة في حيِّنا المتواضعِ أمام تلامذتهِ بحقبة ذهبية وسيطة شهدت ولادةَ إبن النفيس وابن الهيثم وإبن حيّان والمتنبي، دون أن يَمنح طلبتهُ لمحةً عن الأسسِ والطرق التي تَمكّنت عبرها تلك الأسماء الخالدة من تسطير نجاحاتها، وإن وُجِّه له تساؤلُ بهذا الصدد، فإنهُ يكتفي -بعد تنهدٍ طويلٍ وضربِ كفٍ بكفٍ- بإلقاءِ اللائمةِ على المطامعِ الكولونيالية التي تَحولُ دون اقتفاء أثر تلك النجاحات، مُغادرًا على عجلة من أمرهِ ليدرك موعداً ضربهُ مع عددٍ من أبناء الذواتِ لالتزامه بمنحهم دروسًا خصوصية، تسبب تفاقم ظاهرتها انشغاله وأقرانه عن تأدية كاملِ الأمانة المنوطة بهم.
الجامعة القريبة من حيّنا مُحاطة بمراكز متخصصة كإحاطة السوار بالمعصم، يلجأ إليها كثيرُ من الطلبة لتقوم نيابة عنهم بإجراء بحوثٍ أدبية وفكرية مختلفة، يختار بعضهم عنوانًا مشوقًا يشرحُ ما تناوله العلامة ابن خلدون حول العلاقة الوطيدة بين سقوط الدول ومستوى الفساد المستشري في إداراتها ومجتمعاتها، فيما يتجه آخرون لانتقاء عنوان بحث جدلي يتمحور حول "التهافتين" وردود ابن رشد على الإمام الغزالي.
يتحدثُ جارُنا -الموظف الحكومي الكبير- عن تردي واقعِ الأمة واضمحلال مكانتها وخشيتهِ من فنائها، ثم يَنطلق مُسهبًا في طرح الحلولِ الضامنة لانتشالها من انحطاطها، يبدو لي أنه صادقٌ في طَرحهِ الذي رُبما يأتي في سياق رغبته بمسحِ هفوات سني شبابه حين اضطر مكرهًا قبول رُشًا، أو حين أقدمَ على تعيينِ عدد من أبناءِ عمومتهِ دون سواهم في المؤسسة التي يديرها بتمويلٍ يأتي عسيراً مِن شقاءِ وجيوبِ دافعي الضرائب.
رئيس بلديتِنا رجلٌ غير مُتعلمٍ، وبطبيعة الحالِ فإنه ليسَ مهندسًا يُدركُ كيفية تخطيط المدن وآلية تصميمِ شوارِعِها ومواقع زرع إشاراتها الضوئية، لكن جدارتَه في إقامة الولائم وكسبِ ودِّ محيطهِ، محطة قوة تشفع له، إذ إنه يستندُ لقاعدة شعبية منحتهُ شرعيةً مكنتهُ من إدارة شؤونها بطريقة عبثية أنتجت عجزًا ماليًّا اضطره لمضاعفة رسوم الخدماتِ التي تتقاضاها بلديته.
عادَ ذاتُ الشخصِ ليخوض غمارَ الانتخابات من جديد، لكنه جاءَ هذه المرة مُحملًا بشعاراتٍ وخطاباتٍ أكثر عاطفية وحماسية تؤكدُ سلامة مسيرة البلدية وآفاق مستقبلها الباهر الذي سيضمنُ لها موقعًا رائدًا بين قريناتها، كما لم ينسَ طبعاً أن يتوسع في إقامة الولائمِ لقاعدتهِ الانتخابية المشاركة بتمويل تكاليفها، عبر رسوم تضاعفت وفرضت عليهم لسوءِ إدارة رئيسِ بلديتهم السابق، والمُرشح بقوة لتجديدِ العهدِ مع منصبه.
الإمامُ المغيّبُ عن فهم الصورة الكاملة وطرح البدائل واستنهاض الهمم نحو العلم والفهم والتدبّر.. ومعلمُ المدرسة الذي يَعجزُ عن توجيهِ تلاميذهِ وتوظيفِ إمكاناتهم.. وطالب الجامعة الذي يستلُ سيف المالِ ليضمن نجاحه.. والموظفُ الكبير الذي لم يُعطِ للكفاءة والعدالة وزنًا في اختيار العاملين بمؤسستهِ.. ورئيس البلدية المُستمد شرعيته من الولائم التي يعقدُها لمنتخبيه، ومن قبلهم السياسي المتلون، هم أبناء ثقافةٍ أضحت قادرة على تكييفِ وتطويعِ مُصطلحِ (الفساد) بما يتسقُ مع فَهم أفرادها ومصالحهم، وجميعُ أولئك يمتلكونَ قناعةً واحدةً مفادُها بأننا أمّةٌ ستستردُ مَكانتها الطليعية قريباً!!، وذلك بعد أن تدفع نظيراتها الأخرى ثمن فسادها تداعيًا ثم هلاكًا وفناءً.
هؤلاء جميعًا هم من يقودون مجتمعاتنا صوب ذلك النهوض وتلك الريادة المزعومة والمفترضة التي لا واقع لها سوى في أمر حصري واحد.. ولكنه مُخجلٌ أيضًا، فنحن بجدارة في صدارة الدول الأكثر فسادًا!!.
فقد وجدَ العرب أخيرًا ضالتَهم في استثمار عنصر قوة يضمن لهم التفوقَ على سِواهم من الأمم في تصنيفٍ عالمي مرموقٍ يُعتد به، ولم يقتصر الأمرُ على ذلك، بل استطاعت دولهم تعزيز صدارة ذلك التصنيف دونما منافسٍ يُزاحمها على تلك المكانة التي جاءت عقب عجزها عن اللحاق بركب التفوق العلمي والفكري والمعرفي والصناعي وحتى الرياضي الذي تتمتع بها نظيراتها.
يتبادر إلى أذهان عامتنا، قبل خاصتنا، صفات الجودة والبراعة والابتكار الصناعي والتقني فور سماع أحدنا حديثًا يتمحور حول اليابان أو ألمانيا، وعندما يُشار إلى القوة العسكرية يذهب ظنّ جميعنا للولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية، ويُلمّح آخرون لفرنسا والنمسا حين يتعلق الأمر بالثقافة والفنون، أما فيما يتصل بمواهبِ كرة القدم وبراعتها، فإن القطبين اللاتينيين البرازيل والأرجنتين يلمعان في مُخيلة أي مِنّا.
وعندما يتعلق الأمر بالشفافية تسير أذهاننا صوب الدنمارك ونيوزلندا والسويد، والعكس من ذلك تماماً نجدهُ لدينا نحن العرب الذين عززنا من قبضتنا على صدارة قائمة دولِ العالمِ في مؤشر مُدركات الفسادِ الذي يُظهر -على الدوام- تمكننا من الاهتداء لحرفة تمنَحنا سمعة عالمية، فهنيئًا لنا بذلك!.
تعمّق ظاهرة الفساد في أحيائنا ومؤسساتنا لم يتولد من جرّاء غياب الوعي بهذه الآفة أو لقلة في أعداد الطلبة والمُدرسين والموجهين أو الخُطباء ممن ينشغل كثيرُ منهم بالدعاء والسعي للنيل من الآخر، إنما مرده تلافينا مساعي بناء ثقافة تحضُّ على العمل والإنتاج، والتصدي للممارسات غير السوية التي تمتلئ بها أركان مجتمعاتنا.
المؤشر الصادر قبل أيامٍ عن منظمة الشفافية يُجدد تأكيده -بما لا يدعُ مجالًا للشك- بأننا لا نريدُ تعديل موقفنا حيال هذه الآفة التي تستشري في مجتمعاتنا ومؤسساتنا، ناهيك عن أنظمتنا، في بلدانٍ تجذّرت فيها ثقافة إلقاء المسؤولية على الآخر لتبرير تردي أحوالها.. هذا الآخر قد يكون محليًّا أو خارجيًّا صاحب أطماعٍ ومآرب إمبريالية، لكن أيًّا منا لا يُريد الإقرارَ بأن تلك الآفة باتت جزءًا أصيلًا من كيانه؟.

0
0
Advertisement