هل تحسبني 'هندي'؟

علي القيسية

علي القيسية [ 2017\03\30 ]

لا نلوم أولئك الشبان المستهزئين ممن تخرجوا من جامعات لا تجد موطئ قدم في تصنيفات أفضل مؤسسات التعليم العالي كبعض نظيراتها في كلكتا و كيرلا ودلهي


مُصطلح يتردد في بعض أوساطنا، إذ يُلجأ إليه في خضم حوار عربيّ محض، يتخلله ردُ أحدهم على محاوره المستخِف به وبالدلو الذي أدلى به، تعقيبُ بات واضح الدلالة متعدد الرسائل، فأولها أنني صاحب فِراسة، سريع البديهة، كيّس فطِن، التقطها بسهولة، متشامخ في عليائي، فلا تُقلل من قدرتي على الفهم والإدراك، أما الثانية، فإنها تشي بازدراءٍ إمكانات أناسٍ ينتمون لبلادٍ ذات حضارة عريقة وحاضر متعافٍ، فيما تتمحور الثالثة حول قناعات بالية سكنت عقول وقناعات ممن يعتقد بأن الجغرافية والديموغرافية -التي لم نخترها يوماً - جعلت منا خلقاً أفضل من سوانا.
وينزع فريق آخر منّا للتندر بهؤلاء القوم وبلغة أجسادهم، وذلك بتقمص حركة رأسية مستمرةٍ في تموّجها لبضع ثوان،ٍ تروح وتجيئ يمنة ويُسرة، محاكياً أسلوب قبول الرأي والطرح المتبع في بلاد اهتدت لذلك الإيحاء البسيط، ليكون لغةً جامعةً تستوعب بوتقتها تعقُّد دياناتها وتنوع ألسنتها وترامي أطراف أراضيها وأقاليمها وكثافة سكانها.
وفي غمرة تندّر بعض شباننا بتلك الإيحاءات التي يرون فيها سبيلاً للتسلية والترويح عن أنفسهم من عناء البطالة، في هذا الوقت تحديداً، يكون نظراؤهم الهنود منشغلون بمواكبة ولوج العالم لثورته الصناعية الرابعة، مُنكبين على قيادة مضمار خدمات الحوسبة السحابية "الكلاود" في مواطن متعددة بالمعمورة، سواءً أكان ذلك في وادي السيليكون الأميركي أو بنسخته الثانية المتواجدة في عاصمة بلادهم التقنية بنغالورو.
لا يجد بعضنا ضيرا في مضيه قدما بالنيل من هؤلاء القوم وذلك عبر تعليقات تبث في رحاب منصات التواصل الاجتماعي، التي يعتمد مؤسسوها على المهندسين الهنود لإداراتها وإدامتها، كما يبدو جلياً بأن ثمة أشخاص بيننا لم يسمع البتة بكلٍ من سوندار بيتشاي وساتيا نايلا الرئيسان التنفيذيان لشركتي "جوجل" و"مايكروسوفت" على التوالي، واللتان تمثل قيمتهما السوقية -البالغة 1.2 تريليون دولار- أكثر من نصف الاقتصاد العربي.
على أجيالنا الشابة أن تدرك بأن الهند تمتلك ناتجا قومياً يوازي اقتصاد بلادنا من محيطها لخليجها، بنفطها وسياحتها وزراعتها، عليهم أن يُقدروا أيضا بأن "بوليوود" للأفلام -التي تتخذ إدارتها من مومباي معقلاً لها- تمتلك ذات المقومات التي تحظى بها دولة عربية متوسطة الحجم.
قد لا نلوم أولئك الشبان المستهزئين ممن تخرجوا من جامعات لا تجد موطئ قدم في تصنيفات أفضل مؤسسات التعليم العالي كبعض نظيراتها في كلكتا و كيرلا ودلهي، كما قد نقبل الترفع عن محاسبتهم باعتبارهم جزء من نسيج اجتماعي لم يألف النمط التحاوري الذي تنعم الهند صاحبة أكبر ديمقراطية بالعالم، وذلك لاعتبار انتمائهم لأجيال نشأت و ترعرت في خِضَم أنظمة عسكرية ظاهرة أو متوارية بلباس مدني، تتمحور مهتمها في إطالة أمد الغفوة التي صارت إليها حالتنا.
وضمن المساعي الرامية لتحرر أجيالنا من تبني مقولات مقولبة يجهلون غاياتها والموضع والسياق المُناسب لتوظيفها، فقد بات لزاماً عليها تحمل مسؤولية إدراك موقعها من هذا العالم الذي ستكون الهند قوته الاقتصادية الأولى بديلاً للولايات المتحدة وذلك مع إطلالة العقد الثالث من هذا القرن، عليها الشروع بالتسلُّح بالعلم والمعرفة والدراية الكفيلة بمواكبة التقدم الذي تسير به تلك الأمم التي يهزأ البعض بطباعها، لنكون في منأى عن و مأمن من وصف الغير لنا استخفافا ذات يوم بالقول: "هل تحسبني عربي؟."
عليهم أن يدركوا بأن الهند النووية منذ نحو عقد من الزمن ورابع أكبر قوة عسكرية بالعالم، هي نفسها التي عانت من أبشع الممارسات الإمبريالية التي مورست علينا من ذات الطرف أيضاً قبل أن نحظى جميعاً باستقلالنا بوقت متزامن، هذا التحرر الذي ندين لها به جزئياً باعتبار بلادنا محض جسر عبور لبلوغ البريطانيين للأراضي الهندية الموصوفة بدرةَ تاج إمبراطوريتهم الكونية التي لاتُفارقها الشمس، وحينما فرغ الإنجليز من مهمتهم فيها، ألحقوها بخطوة مشابهة في بلادنا التي كانت وسيلةً لبلوغ غايتهم الأسمى المتمثلة بالوصول الى ثروات الأحجار الكريمة والتوابل والعود ذو الثمن الباهظ إضافة إلى القطن.
على شبابنا إن يستشعروا أيضاً بأن الهند لم تستكن لتحدياتها الداخلية الناتجة عن شدة تنوع الثقافات واللغات والأديان، متعالية عن تلك المعضلات لضمان بلوغ مُراد أسمى يتجسد في بناء دولة مهابة الجانب، إذ أن شطراً كبيراً من منظومتها وتجهيزاتها العسكرية كانت من ابتكار وصناعة عقول وأيدي أبنائها، حيث أنها لم تلجأ لتبذير مقدراتها لحيازة معدات مستوردة، لا يُعرف قيمتها، وطريقة استخدامها، والغاية من حيازتها، ومن هم الوسطاء المتداخلين في صفقات جلبها.
لا يعني مما تقدم بأننا نقلل من مكانتنا إزاء بقية الأمم التي تعاني بدورها من مشاكل وتحديات متنوعة ومغايرة، لكن الحاجة باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى لإدراك موقعنا حيال غيرنا، لا يسعنا الاستمرار بحالة الجمود الممزوج بنزعة الإستهزاء التي لا تستند لأي معطيات نجدها على أرض الواقع الذي نفتقر لمقومات تقييمه، ذلك الواقع الذي بتنا غائبين عنه لقلة حيلتنا وضعف إرادتنا وسوء إدارتنا.

0
0
Advertisement