هل ساهم الإمام الغزالي في هدم المنظومة الفكرية الإسلامية؟

علي القيسية

علي القيسية [ 2017\04\05 ]

الحقيقة بأن الأمام الغزالي لم يكن ضد الفلسفة أو علم الكلام، لكنه أضطر لدخول غمار الجدل فيهما لمواجهة التشويه والتشويش الذي أصاب الأفكار المنتشرة في ذلك العصر (المعتزلة، الباطنية.. وغيرهما)

يشير عدد من خصوم حجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزّالي (أبو حامد) إلى كونه أحد الأسباب الرئيسة المؤدية لجمود الفكر العربي الإسلامي منذ نحو ألف عامٍ من الزمان، متهمين إياه بهدم المدارس الفلسفية والكلامية التي ظهرت في العالم الإسلامي وذلك من خلال مؤلفاته الشهيرة التي يبرز منها كلاً من (مقاصد الفلاسفة) و(تهافت الفلاسفة)، و(إلجام العوام عن عِلم الكلام).
وحينما يذكر إسم الإمام في جلسات اجتماعية أو نصف ثقافية، فإنه عادة ما يُرمى من قبل بعض الحضور بكونه المتسبب في إجهاض الحراك الفكري الذي ساد العالم الإسلامي خلال القرن الخامس الهجري ليؤسس لمرحلة الفراغ الفكري فيما بعد، وذلك حين انبرى للرد على الأفكار الأرسطية التي اعاد طرحها كلٌ من ابن سينا والفارابي، والتي تسببت حينذاك بظهور موجة الحاد وإنكار للعبادات المفروضة، علماً بأن العلم الحديث برهن على صحة تلك الردود، خصوصا فيما يتعلق بإبطال حجة الإسلام قول الفلاسفة بأبدية وقِدم العالم.
الحقيقة بأن الأمام الغزالي لم يكن ضد الفلسفة أو علم الكلام، لكنه أضطر لدخول غمار الجدل فيهما لمواجهة التشويه والتشويش الذي أصاب الأفكار المنتشرة في ذلك العصر (المعتزلة، الباطنية.. وغيرهما)، حيث اقتصرت ردوده على الأمور ذات الصلة بالإلاهيات، فيما كان مُقدرا ومُحترما لتلك الاجتهادات والنظريات العلمية التي جاءت من بلاد اليونان و فارس، محذراً الفقهاء من عدم المجادلة في صحتها وأهميتها وشرعيتها بإعتبارها علوما راسخة، وهذا ما يجعل الإمام بريئا مما يُظن به.
لقد كان الإمام الغزّالي -صاحب كتاب إحياء علوم الدين- ضحيةً لأصحاب ضيق الأفق وأهل المؤامرات التي حيكت ضده من قبل بعض أتباع المدارس الفقهية والفكرية التي لم يستطع روادها بلوغ نصف المكانة العلمية والفلسفية التي حظي بها حجة الإسلام، فقد هاجمته السلفية الأثرية وقللت من مكانته بإعتباره أشعريا متصوفا، كما بات هدفا لمرمى سهام بعض المثقفين الحداثيين ممن لم يفهموا جوهر اطروحاته، متهمين اياه بوقف عجلة التفكير في العالم الإسلامي، ما ترتب عليه بدء اتساع الفجوة العلمية والفكرية مع العالم الغربي المتباهي بمآثر ديكارت الذي سرق المنهج الفلسفي للغزّالي دون أن يُحيله لصاحبه.
ثم يقول البعض إن ردود إبن رشد الأندلسي على الغزّالي في كتاب (تهافت التهافت)، برهنت من جديد على ضعف حِجة الإسلام في التعامل مع الواقع الفلسفي وحيويته، خصوصا وأن الغرب تمكن من تلمُس أولى خطوات النهضة الفكرية الحضارية في العصور الوسطى مستلهما أياها من لدُن أطروحات إبن رشد، وهو أمر صحيح من جانبٍ ومخطىء من جوانب أخرى.
لقد سرى فكر وفلسفة ابن رشد في العالم الغربي بفعل وجوده في الأندلس أو المغرب الأقصى القريبتان من قلب اوروبا والتي رأت تماهياً في طروحاته مع لوازم بيئتها الثقافية أوالإجتماعية بإعتبارها محضُ اعادة إنتاج لأفكار أرسطو الذي ينتمي أصلا لجغرافيا القارة العجوز، كما رأت فيها فرصة لخلع الوصاية الدينية التي فرضتها كنيسة روما، فيما لم تستأنس كثيرا بآراء الغزّالي الفقيه والمتكلم والفيلسوف بإعتبارها أكثر مواءمة للعالم الإسلامي الذي لا يُمكن له الإنفكاك عن دينه وثوابته العقائدية، دون أن يقلل ذلك من إعلائه من شأن العلوم والمعارف.
الانحطاط الفكري الذي يعيشه العالم الإسلامي في الوقت الراهن لم يكُن ناجما عن أطروحات الغزّالي الذي توفي عن عُمر يناهز 55 عاما مُخلِّفا إنتاجا فلسفيا وكلاميا وفقهيا يفوق قدرات جميع الأعلام الأدبية الحديثة الحائزة على جوائز نوبل، بل أنني أرى بأننا في أمسِ الحاجة لسطوع نجم هامة وقامة كبيرة بقدر الغزّالي ليُضحي سبيلا لإعادة أحياء علوم الدين والفكر من سباتهما، و ليكون قادرا على مخاطبة الجيل الجديد الذي تسبب الخطاب الديني المتشنج في دفع بعضه نحو ظلمات وغياهب الإلحاد.
التردي الفكري الذي يُخيم على العالمين العربي والإسلامي منذ عشرات القرون مرتبط بسيطرة أعداء الغزّالي من أصحاب التيارات الأصولية الأثرية السنية والشيعية على هذه الساحة التي لم تعُد تستوعبت أصحاب العقول الراجحة والمتفتقة كأبي حامد وإبن رشد، نظرا لإيمان تلك التيارات بعدم الحاجة للتفكير والجدال وإعمال العقل في ظل وفرة النصوص القديمة التي لا يُحتمل فيها النقاش والتأويل.

0
0
Advertisement