ما شأن الأردنيين والعرب بنتائج الاستفتاء في تركيا؟

علي القيسية

علي القيسية [ 2017\04\22 ]

علينا الوقوف مع أنفسنا لبرهةٍ لتقييم واقعنا ونظرتنا حيال ما يجري حولنا، فما المنطق الذي يقودُ شريحةٍ واسعةٍ من المنتمين لشارعنا للتهليل لزيادة صلاحيات رئيس دولة غير عربيةٍ لديها مشاريع وتطلعات تغاير همومنا وأولوياتنا

لم أستطع فهمَ مُبررات تفاعلِ وانشراحِ صدر الشارعين الأردنيّ والعربيّ لنتائجِ الاستفتاءِ الذي شهدته تركيا يوم أمس، وأفضى لزيادةِ صلاحياتِ وسلطات الرئيسِ، بل تطوّر الأمرُ الى قيام كثيرين بالمبادرة إلى تقديم التهنئة والتبريك على هذا الإنجاز الذي ليسَ لنا جملٌ فيه ولا ناقة.
إلهذه الدرجة ننساق بانفعال غير منضبطٍ للتباهي بذلك التحولِ الذي شهدته تُركيا؟ والتي نجَح نظامِها السياسي خلال السنواتِ القليلةِ الماضية بتوظيفِ البُعد الديني ليكتسبَ زخماً إضافياً في الشارعين العربي والإسلامي، دون أن يُقدِّم لهما في المقابل سوى التصريحاتِ العقيمة التي لم تكُن قادرةً على ولادةِ حلولٍ للقضايا الرئيسة التي يُعاني من تداعياتها ذلك الغزّي المُحاصر في القطاع المكلوم، أو نظيره السوري الذي يرتجي أن يعود يوماً إلى قريته أو بلدتهِ، أو الأردني الذي تسببت اتفاقاتُ تحرير التجارةِ مع أنقرة إلى اقفال مشغلِه أو مصنعه، إذ أن أولئكَ مجردَ أوراق يُتلاعب بها، ويجري توظيفها لتحقيقِ أهدافٍ أكثرَ استراتيجيةً من قبيل توطيدِ العلاقة مع قطبيّ العالم أميركا وروسيا، وممارسةِ لُعبة القط والفأر لضمانِ الدخول بمنظومةِ الاتحادِ الأوروبي، أو النجاحِ بالحصولِ على الغازِ الإيراني بأثمانٍ تفضيلية مقابل تقسيمِ الغنائمِ في سوريا والعراق.
أنا لستُ مِن معارضي النظام السياسي في أنقرة ولا إبدي انبهاري بمنجزاته، إذ أن شأنه كشأنِ نظيرهِ الهندي أو الباكستاني، الساعي كل منهما أيضاً لتحقيقِ المصالحِ الاستراتيجيةِ لبلاده، حتى وأن تطلّبَ الامرُ اعتبار المشرق العربي بمثابةِ حديقةٍ خلفيةٍ لتصريفِ المنتجاتِ التركيةِ وجلبِ تدفقات أموال قاطني هذا الإقليم لأسواقِ إسطنبولِ السياحيةِ التي لا تتحمل جريرة انسياقِ الشارعِ العربي خلفَ الوهمِ المستبد به من عهود، إذ إنه تارة رأى في القومي مخلصاً له، وكذلك فعلَ مع البعثي، فلِم لا يفعلها مع الإسلامي؟، الذي لم يُحرّك ساكناً حيال قضايا المنتمين لهذهِ الملّةِ من الروهينيجيا في ميانمار أو نظرائهم السُنة في إيران التي أبرم معها صفقةً للحصول على غازِها بأسعارٍ مخفضةٍ مقابل فَتحِ سوقِ طهرانَ أيضا أمام منتجاتِ أنقرة.
لا ألوم النظامَ السياسيَ في أنقرة نظير قدرته على اجتذاب هذا الإعجاب الهائل في الشارعين العربي والأردني، إذ أنه نجحَ بتوظيفِ عناصرِ القوة التي تزيد من رقعةِ مسرح الداعمين والمتعاطفين معه، فبالإضافة للبعد الديني، فقد برعَ أيضا في توظيف الشأن الإنساني لدعم مشاريعه المستقبلية، إذ يحرصُ على إخفاءِ ورقةِ اللاجئين السوريينِ وسواها كوسيلة ضغط يستخدمُها متى شاء لتكونَ ثمن بطاقة دخوله ملعبِ الاتحاد الأوروبي، وهذه التوصيفات لم تكُن قاصرةً على تركيا المعاصرة فحسب، إذ تستعمِلها مختلف بلدان العالم التي لرُبما لم ترفع شعارَ الدين بالنمط التقليدي الذي نعرِف، لكنها تستخدم وسائل التعبئةِ الكثيرةِ المتاحةِ الأخرى التي لا تنحصرُ في الإيديولوجيةِ الفكريةِ أو القوميةِ والعرقية، وصولاً لتحقيق مآربها متوسطة وطويلة المدى.
علينا الوقوف مع أنفسنا لبرهةٍ لتقييم واقعنا ونظرتنا حيال ما يجري حولنا، فما المنطق الذي يقودُ شريحةٍ واسعةٍ من المنتمين لشارعنا للتهليل لزيادة صلاحيات رئيس دولة غير عربيةٍ لديها مشاريع وتطلعات تغاير همومنا وأولوياتنا، بل وتناقضها في أحيانٍ كثيرة، وفي الوقت عينه تُطالب تلك الشريحة بضرورةِ تمكينها وتقليصِ تركّز السلطات في أيدي حكام بلادها؟
هل ترسخت لدى الشارع العربي عموما والأردني خصوصاً ثقافة انتظار القائد المُلهم الذي سيضمنُ اعادة الأمة لمكانتها؟ ذلك التوهم الذي ما انفك يطبعُ أذهاننا بعد فشل آمالنا المعلقة في عبد الناصر مرة وأخرى في صدّام، فلم لا نجرب أردغان هذه المرة؟، أما شعوبنا، فما عليها إلا أن تستمر في إهمالِ عيوبِها ومواصلة ركونِها لحالة التردي العلمي والمعرفي والفكري التي تجعلُ منها وقوداً لمشاريع كل مُتطلعٍ لبسط نفوذه.

0
0
Advertisement