يا ليت للعرب مثلَ ماسكيرانو !

علي القيسية

علي القيسية [ 2017\05\03 ]

تكرّس في العالمِ الغربي منذ عقودٍ وعهودٍ مضت، فكرةَ استحضارِ الشخصياتِ التي تستطيعُ إلهامَ الأجيالِ الراهنةِ والتاليةِ لتكونَ قدوةً لها في سبيلِ مواصلةِ إبداعاتها

وقفَ ملايينُ البشرِ من مريدي ومبغضي فريقهِ حولَ العالم، إجلالاً وتقديراً له مساءَ أمسِ الأربعاء، ليسَ لأنه دوّنَ هدفهُ الأولَ لصالحِ ناديهِ برشلونة مُنذ انضمامهِ إليه مطلعَ العقدِ الحالي، كما لم يأتِ تفاعلُ أولئكَ مع هدفهِ بفعلِ شخصيتهِ الجاذبةِ التي قد تدفعُ مجلاتِ المشاهيرِ للتهافتِ عليها أملاً في لصقِ صورتِها على غلافِها مُرادَ تعزيزِ انتشارِها، بل لأنه يجّسدُ بنظرِهم حالةً لذلكَ النموذجِ الدؤوبِ العاملِ بصمتٍ، الحريصُ على خدمةِ مؤسستهِ لأقصى حدودِ طاقتهِ، مُضحياً بالنفسِ لصالحِ المنظومةِ التي يعملُ لأجلِها، لا يضعُ وزناً لتجاهُلِ الإعلامِ له، مقابِل انشغالَ وسائِلها بنظرائهِ الأقلَ شأناً مِنه، مِمن يُثيرونَ الضجيجَ حيثما حلّوا و ارتحلوا.
لم أُرِد إلقاءِ تلكَ المقدمةِ لأن أعكفَ على تمجيدِ شخصيةٍ وردَ أسمَها في مُعرضِ إجابةِ -المدربِ الأسبقِ للمنتخبِ الأرجنتيني وأفضلَ من لعبَ الكرةَ على الإطلاقِ- دييجو مارادونا على سؤال بشأن تشكيلة فريقهِ قبيلَ انطلاقِ كأسِ العالمِ 2010، حيث قالَ حينها: "عشرة لاعبين و خافيير ماسكيرانو"، غيرَ أنّ ذلكَ لمّ يحُل دون تنازلِ الأخيرِ عن شارةِ قيادةِ منتخبِ وطنهِ آنذاك لصالحِ ليونيل ميسي، تحقيقاً لمصلحةِ بلاده، إيماناً مِنه بأنّ التطلعاتِ الثانويةِ تتوارى دوماً أمام الأهدافِ الأكثرَ سمواً.
تكرّس في العالمِ الغربي منذ عقودٍ وعهودٍ مضت، فكرةَ استحضارِ الشخصياتِ التي تستطيعُ إلهامَ الأجيالِ الراهنةِ والتاليةِ لتكونَ قدوةً لها في سبيلِ مواصلةِ إبداعاتها القائمةِ على أسسِ إعلاءِ شأن العملِ والإنجازِ بعيداً عن الضوضاءِ التي تُرِك أمرها لشعوبِ بلداننا التي تميل غالبيتها إلى تقديسِ الشخصِ لذاتهِ متطرفةً في ذِكرِ محاسنِه دونَ أن تسعى لاقتفاءِ أثرِ مسيرتهِ، ومن هنا يبرزُ اختلافُ نظرتينا للرسائلِ التي جاءت بصحبةِ الهدف البكرِ الذي أحرزهُ ماسكيرانو، فهم يرونَ فيه ملخِصاً لسيرته الحسنةِ والمعطاءة، كتلكَ التي تلمّسوها في مساهماتِ الفرنسيِّ رينيه ديكارت والألمانيِّ يوهان غوته أو الإنجليزيِّ إسحق نيوتن على مستوياتِ الفلسفةِ والأدبِ والفيزياء ، بينما قد يظنّهُ بعضنا فرصةً جديدة للنكايةِ في جماهيرِ ريال مدريد الخارجِ لتوَّه من آثارِ كبوةِ خسارةِ لقاءِ الكلاسيكو الإسباني أمام برشلونة.
ذلك البونُ الشاسعُ في إدراك ِطبيعةِ الرسائلِ ومغازيها تجده جاثماً وماثلاً حينما تستدِر شرقاً قادماً من الغربِ مُتجها صوبَ بلادِنا، وحينها ستُدركُ من فورِك استحالةِ إمكانية نجاحِ نموذجِ ماسكيرانو وتعميمه، إذ أنه يرتكزُ على قاعدةِ التضحيةِ بالنفسِ في سبيلِ مصلحةِ المؤسسةِ أو الوطنِ، بينما نمتلكُ نحنُ أوطاناً تُضحّي بذاتها وأجيالِها في سبيلِ فرد.
هذا الشخصُ الفردُ الذي يتوجبُ علينا أن نمثُلَ لتنمّرهِ وتفرّده، يتمتع بغلافٍ وهالةٍ تجعلُ من رؤيتهِ سديدةً مديدةً، إذ منحهُ بعضُ الفقهاءِ في الماضي رخصةً التصرفِ المُطلقِ بشؤونِ الدهماء، حين سوّغوا له أحقيةَ ضربِ ظهرِ وأخذ مالِ الرعيةِ ظلماً دونَ رادع، ليجعلوا ذلكَ توطئةً له تسعفهُ للسيرِ وِفقها في حاضرهِ حيثُما وجِد، مُستقياً من معينِ مُبرراتهم، فهو أدرى بمصلحتنا حتى منّا، لتدفعهُ حصافتهُ تلك إلى إبادة أطفال وعجائز خان شيخون بغاز السارين، وانتهاك قرى سيناء وترحيلِ أهاليها، ووصفِ مواطنيه بـ"الجرذان"، وكأنه يعبّر عن نفسِه بمقولةٍ مشابهةٍ لتلكَ التي جاءَ بها مارادونا بحق ماسكيرانو " أنا الطاغية أمام بقيّة ملايين البشر".
لا يجدُر بِنا هنا تشبيهُ ماسكيرانو بأيٍّ من أولئك، إذ يكفي مُساهماتهِ بقيادةِ فريقهِ الإسبانيِ إلى قمّةِ بطولاتٍ أوروبيةٍ لا حصرَ لها، فضلاً عن مساعدةِ منتخبِ بلادهِ في بلوغِ اللقاءِ النهائيّ لثلاثِ بطولاتٍ عالميةٍ وقاريةّ، بينما أسهمَ هؤلاءِ بجعلِ بلادَنا مسرحاً تتنازعهُ قوىً دوليةً وأخرى إقليمية، لتُمسي مرتعاً للفوضى والخرابِ وانعدامِ الأفقِ والأملِ في حلولِ أوانِ غدٍ أفضل، مُخلفين للأجيالِ التاليةِ تركةً ثقيلةً
من الألمِ والأسى.
قد يُلجئنا ماسكيرانو لدهاليز القضاءِ لو علِم بأننا نجعلَه طرفاً في مقارنةٍ تبدو مسيئةً بحقهِ مع نماذجَ استطاعت طيلةَ السنواتِ الماضيةِ إجبارَ رعاياها على الوقوفِ قسراً للتهليلِ والتطبيلِ لمنجزاتها المتمثلة في إغراقِ البلاد بالمديونيةِ والبطالةِ والأميةِ والجهلِ، في وقتٍ تعاملَ فيه اللاعبُ الأرجنتيني بتواضعٍ مع وقوفِ وتصفيقِ الآف الجماهير وملايين المتابعين خلفَ الشاشةِ الصغيرةِ تقديرا لهدفهِ الوحيد، الذي يراهُ هو مجردَ حلقةٍ صغيرةٍ في سلسلةِ منجزات تصبُ في صالحِ مجموعته.
كنت أتمنى لو تمتعّ هؤلاء بالأخلاقِ الرياضيةِ التي تحلّى بها ماسكيرانو حينَ تنازلَ عن شارةِ قيادةِ منتخبَ بلادهِ لشابٍ يانعٍ يرى فيهِ أملاً لمستقبلِ الرياضةِ في وطنهِ، لتتمكنَ بلادَنا من تلمُّسِ أولى خطواتِ النجاحِ التي اهتدى إليها اللاعبُ الأرجنتينيُ المَثَل.

0
0
Advertisement