أدلجة الإسلام ليست هي الحل

أدلجة الإسلام ليست هي الحل

في فترة المد الإخواني في مصر في الخمسينيات والستينيات، كان كبير علماء الأزهر أوانها «الشيخ محمد أبو زهرة»

السيد ولد أباه [ 2017\07\10 09:27:19 ]

في فترة المد الإخواني في مصر في الخمسينيات والستينيات، كان كبير علماء الأزهر أوانها «الشيخ محمد أبو زهرة» يحرص على أن يكرر أمام طلبته أن القول بأن الإسلام دين وسياسة أمر لا أصل له في الدين، كما أخبرنا تلميذه المفكر اللبناني «رضوان السيد»، بل إن الأزهريين القلائل الذين انضموا لجماعة «الإخوان» مثل محمد الغزالي وأحمد حسن الباقوري.. انتهوا إلى الانسحاب من التنظيم والنقمة عليه.

الغريب هنا أن الجماعة التي عادة ما تتوهم احتكار الشرعية الدينية ظلت منذ نشأتها معزولة في الساحة العلمية والفكرية الإسلامية، فلم تنتج منذ نشأتها قبل ما يقرب من تسعين سنة عالماً متميزاً في الشريعة ولا مفكراً بارزاً. في هذا السياق، لا يزال من المهم الكشف عن ملابسات تشكل الخطاب الإخواني الذي كان نكوصاً جلياً عن التوجهين الأساسيين اللذين عرفتهما الساحة الإسلامية في بدايات القرن العشرين: التوجه الإصلاحي الاجتهادي (الأفغاني وعبده..) والتوجه الفلسفي التنويري (محمد إقبال..)، بينما كان في قطيعة مع التقليد التراثي نتيجة لتلوينه الأيديولوجي الحركي الاحتجاجي.

لابد من الإشارة هنا إلى أن أهم مفكرين إسلاميين عاصرا الموجة الإخوانية، وهما عباس محمود العقاد ومالك بن نبي، رفضا بشدة المشروع الإخواني واعتبراه ضحلا فقيراً وخطراً على المجتمعات المسلمة.

فالعقاد صاحب العبقريات الرائعة والأعمال الرصينة في الدفاع عن العقيدة الإسلامية وإبراز جوانب الدين العقلانية، اشتهر بموقفه المناوئ لـ«الإخوان» واتهامه للجماعة بالنزوع الماسوني والميل للعنف والتطرف، بينما تحمّس «بن نبي» لـ«الإخوان» قبل أن يتعرّف على الجماعة وفكرها خلال إقامته في مصر، فانتهى إلى نفس الخط الرافض لفكرها ومشروعها السياسي.

وفي مقابل عقلانية العقاد ونزعته الإنسانية والنموذج النهضوي الحضاري الذي بلوره «بن نبي»، ذهب الخطاب الإخواني في اتجاهين أساسيين هما النظر إلى الحداثة بصفتها غزواً ثقافياً غربياً ومؤامرة يهودية ماسونية (محمد قطب..)، والنظر إلى الإسلام بصفته ديانة سياسية شاملة تشكل الدولة محورها (عبد القادر عودة..).

ومع أن مقولة ازدواجية الدين والسياسة في الإسلام تبدو بديهية للكثيرين، فإنها في الحقيقة بدعة غير مسبوقة في التراث الإسلامي، وهي نتاج مسار أدلجة الإسلام بالبناء على حقيقتين يتم توظيفهما خطأ في الخطاب الإخواني. أما الحقيقة الأولى فهي ما أجمع عليه تقريباً علماء الإسلام وفقهاؤه من وجوب نصب الإمامة لتدبير شؤون الجماعة واتقاء الفتنة، والحقيقة الثانية هي ما لأحكام الدين في الإسلام من طابع جماعي، بحيث لا يمكن حصر شرائع الإسلام في التدين الفردي.

إن هذين المبدأين لا يعنيان ما ذهب إليه بعض المستشرقين المناوئين للإسلام من الطابع القانوني السياسي للإسلام الذي يمنعه من التأقلم مع قيم الذاتية والديمقراطية والتعددية، وهي الفكرة ذاتها التي تتبناها المدرسة الإخوانية من منطلقاتها الخاصة.

ما لم يدركه دعاة الإسلام السياسي هو أن وجوب إقامة سلطة عامة تدير شأن المجتمع لا يعني الطابع الديني للدولة، بل إن فقهاء الإسلام ومتكلميه درجوا على القول بأن مسائل الإمامة تدبيرية سلطانية لا شأن لها بالدِّين، وإن من واجب الدولة رعاية الدين وحراسته لا تجسيده. كما أن الطابع الجماعي للدين لا يعني أن له طابعاً سياسياً، بل إن ما يحول دون علمانية الدولة في المجتمعات المسلمة بالمفهوم الغربي التقليدي هو هذه السمة الجماعية التي تحوّل الدين إلى عماد المجتمع الأهلي وتخرجه من تجاذبات السياسة وقبضتها، في حين أن مفهوم «الدولة الإسلامية» يؤول في نهاية المطاق إلى تحويل الدين إلى أيديولوجيا للدولة الشمولية، بما يعني أقصى درجات العلمنة وأخطرها.

قد يقول البعض إن تيار الإسلام السياسي طور خطابه واستراتيجياته السياسية وأصبح يتبنى المنظور الديمقراطي التعددي، ويفصل بين الدعوة والسياسة، بيد أن السؤال المطروح لا يتعلق بمجرد التكيف مع آليات التمثيل والتنظيم التي بلورتها الديمقراطية الحديثة في إدارة المجتمعات المنظمة، فهي في جانبها الميكانيكي مجرد أدوات إجرائية عملية، وإنما السؤال الحقيقي يتعلق بالقراءة الأيديولوجية السياسية للإسلام التي لا تخلو من خطر استخدام الورقة الدينية في الصراع السياسي للهيمنة على المجتمع (ليس من الصحيح أن الهيمنة ذات بعد واحد يتعلق بالسلطة السياسية أو العسكرية).

إن المأزق الذي يواجه ما يسمى حالياً بالإسلام «الديمقراطي» (العبارة ترجع للغنوشي) هو أن أحزاب الإسلام السياسي المنخرطة في الصراع السياسي التعددي تجد نفسها مرغمة على قبول كسر احتكار الشرعية الدينية في بلدان يشكل الإسلام فيها محور المرجعية الدستورية والمجتمعية وسقف الإجماع الوطني، بيد أنها حين تقبل هذا التنازل يصبح من العصي عليها تبرير خصوصيتها الفكرية والسياسية، فلا يبقى لها إلا نموذج الجمعية «الطائفية» المغلقة الذي لا يتناسب مع منطق الحزب السياسي بمفهومه الحديث ولا معنى له في السياق الديمقراطي، بل هو خطر على الاستقرار السياسي والسلم الأهلي.

0
0
Advertisement