[ ]

قرارات مجلس التعليم العالي عن القبول بالجامعات لهذا العام تثير الاستغراب وهي تكشف عن غياب التخطيط في الدولة ، وعدم وجود أهداف عامة للنشاط العام تتحدد فيه المشاكل والازمات وتوضع فيه الحلول وقبل ذلك الآليات للتنفيذ مع التزام الجميع بها وبتحقيق أهدافها . يفترض انه لا توجد خطة لوزارة أو لمؤسسه لها مسار منفصل وخارج عن دائرة المخططات الحكومية العامة .
قرارات مجلس التعليم العالي تضيق الخناق على الطلبة فوق ما هي خانقة على مر السنوات الاخيرة ، فهي في هذا العام تحرم الطلبة الأردنيين من الحصول على التخصصات التي كدوا وسهروا الليالي من اجلها ليحصلوا على معدلات فوق ال ٩٠ لتحقيق آمالهم بالالتحاق بكليات الطب والهندسة في أقسام الموازي بالجامعات ، وهو ما سيجبر المٍئات من اصحاب المعدلات العالية على البحث عن مقاعد دراسية في الجامعات الأجنبية .
وبدلا من ان يتخذ المجلس قرارات تساهم في تخفيف الأزمة المالية عن الدولة وعن المواطنين على اعتبار ان الجميع في مركب وطني واحد ، فإنه يصر بقراراته على دفع الأسر الاردنية الى مضاعفة انفاقها على تعليم اولادها وبناتها بالاضطرار الى الى إرسال ابنائهم وبناتهم الى الخارج ، ان قرارات المجلس في التقييم العام ومن منظور الاقتصاد الوطني تخدم الجامعات التركية واليونانية والمصرية والرومانية الى آخر جامعة في الدنيا غير أردنية .
نحن لا نتحدث عن قرارات تزج باصحاب المعدلات المتدنية في التوجيهي في الكليات المتقدمة مثل الطب بفروعه والصيدلة والقانون والهندسة بفروعها وإنما عن مئات الطلبة الذين يحصلون على معدلات فوق ال ٨٠ ولا يجدون في بلدهم فرصة دراسة التخصص الذي يريدونه بسبب قلة المقاعد وحشرها في إعداد قليلة وكأننا بلد سكانه مليون . كنّا نتوقع ان تزداد إعداد المقاعد للطب والهندسة في الجامعات ، لا ان تتراجع ، فالقرارات التي اتخذها المجلس حول نسبة ال ٣٠ بالمئة ، قلصت مقاعد الموازي بالجامعة الاردنية على سبيل المثال من ١٧٠ العام الماضي الى ١٧ مقعد فقط للطب . وهكذا في الجامعات الاخرى .
دعونا نناقش مبرراتكم لمثل هذه القرارات :
١- اذا كان القصد الحفاظ على مستوى التعليم العلمي فالإحصائيات الإقليمية والدولية حول مستوى الجامعات تجعل من الجامعات التركية واليونانية على سبيل المثال والتي يلجأ اليها الطلاب الأردنيين من معدلات ال ٨٥ الى ٩٥ لدراسة الطب والهندسة هي في مستوى متقدم على جامعاتنا التي ترفض قبول هذه المعدلات .
٢- وإذا كان القصد هو قناعتكم ، بان عدم قبول طلاب في الطب معدلهم العام من ٨٥ الى ٩٥ في (الموحد والموازي ) مع ان علاماتهم في الفيزياء والاحياء والإنجليزي فوق ال ٩٠ ، وهي متطلبات التأهيل لمثل هذا الاختصاص ، دافعه الحرص على تزويد القطاع الصحي بخريجيين نجحوا في التوجيهي بعلامات تزيد عن ال ٩٦ . فالسؤال : هل هذا القطاع هو لتعيين خريجي الجامعات المحلية فقط أم ان نسبة من فيه فعلياً في القطاعين ( العام والخاص ) هم من الجامعات العربية والأجنبية !!.( هاي أذني وهاي أذني) .
٣- في كل العالم يُنظر للقطاع التعليمي بانه احد روافع الاقتصاد في اي بلد متقدم الى جانب السياحة والعلاجات الطبية . فالطالب الذي يأتي للدراسة من بلد اجنبي هو سائح مقيم لعدة سنوات وفِي هذا مساهمة في تقدم اقتصاد هذا البلد لانه ينفق عشرات الآلاف من الدولارات على الرسوم والسكن والمعيشة . بهذا المعنى ، ونظرًا لحاجة اقتصاد بلدنا ، كان على مجلس التعليم العالي ان يجعل من طلابنا عامل إنعاش وتحريك للاقتصاد ، بتشجيع اهاليهم على انفاق نقود التعليم عليهم في البلد وليس في بلد آخر . لم يعد احد يجهل حقيقة ان آلاف مؤلفة من الطلبة الأردنيين ينزحون سنويا الى الجامعات الأجنبية لكي يدرسوا ما من اجله جدّوا واجتهدوا ، وينفقون الملايين سنويا لانعاش الجامعات الأجنبية واقتصاديات الدول التي توجد فيها هذه الجامعات .
قرارات مجلس التعليم العالي تذكرنا بقرات حجب الفيز عن رعايا عدد من الدول العربية بحجج أمنية ، فتم بذلك توجيه ضربه مؤلمة للقطاع الصحي الأردني وللمستشفيات والفنادق والمطاعم والأسواق التجارية ، والشقق التي كانت أسر المرضى تستأجرها . ومعروف كيف استفادت تركيا من القرار الأردني الحصيف فألغت قيمة الفيزا حيث غير عشرات آلاف من المرضى العرب وجهتم من الاردن الى تركيا وهم الذين كانوا يفضلون عمان ومستشفياتها وعياداتها ولانهم لا يضطرون للتحدث بالاشارة .
في قطاع الصحة وفِي التعليم وحتى في السياحة يبدو ان النشاط الحكومي يسير في جزر منعزلة، كل جهة لها قراراتها وتوجهاتها ، فالصالح العام تجزأ الى مصالح خاصة فغابت الرؤيا الشاملة .
تحصيل الموارد المالية للموازنة لا يكون فقط (بتنمية ) مخالفات السير ، إنما بقرارات وسياسات تجعل الأردني اذا أراد ان يتعلم يجد مبتغاه في بلده فينفق ما ينفق فيه ، وإذا أراد ان يقضي إجازته يقضيها في ربوع بلده . والى متى سيظل الأردنيين رقما ماليا مهماً في سياحة الدول الأجنبية ؟!،. والى متى سيظل طلابنا عددا كبيرا في الجامعات الاجنبية بسبب قرارات مجلس التعليم العالي !؟.
لقد قطع الدكتور الرزاز شوطا مهماً في اعادة الاعتبار لمعدل الطلبة في التوجيهي ، لكن يبدو ان مجلس التعليم العالي لا يأخذ هذه النتيجة بالاعتبار بإصراره على تهجير الطلبة الأذكياء الى الخارج ، وتهجير أموال أسرهم أيضاً . واتوقع من الوزير المتعلم والمثقف وزير التعليم العالي الدكتور عادل الطويسي ان يصلح الامر اشفاقا على الضحايا من الطلبة واسرهم ، ونتمنى على الحكومة ان تقف طويلا امام حالة التعليم والصحة والسياحة ، وطرح الأسئلة عند بحث القرارات التي يجب ان تتخذ في إطار سعيها لمعالجة الأزمة المالية والاقتصادية ، انطلاقا من مفهوم بديهي بان ( إصلاح موازنة المواطن تخدم إصلاح موازنة الدولة ) وان الحفاظ على الاموال محليا أفضل من تحويلها الى الخارج . لانه اذا استمر هذا الحال فإننا سنرى عجلة اجبار الأردني على البحث عن امتلاك منزل في الخارج في تصاعد ، وكذلك إجباره على إرسال ابنائه الى الجامعات الأجنبية وترحيل مدخراته معهم .

0
0
Advertisement