هذه القضية اصبحت مطروحة في العالم العربي منذ قيام أنظمة الربيع العربي ووصول تيارات اسلامية الى السلطة خاصة في مصر وتونس . ومع ان هناك تغييرات سياسية كبرى في عواصم اخرى حمل فيها الربيع الاسلاميين الى السلطة مثل صنعاء وطرابلس الغرب والرباط وغدا دمشق الا ان ما يحدث في مصر وتونس له اهمية خاصة ، لان المعركة مفتوحة على مصراعيها حول مفهوم الدولة المدنية بين القوى الاسلامية من جهة وبين القوى الاخرى ، معركة تترجم نفسها في الخلافات حول الدستور مرة وفي حركات الاحتجاج في الشارع مرة اخرى .
رغم ان شعار الدولة المدنية يلتقي عليه الجميع من إسلاميين وقوميين وثوريين ويساريين إلا ان الاختلافات في المضمون واسعة وعميقة جداً ، الخلاف واسع بين من يرى ان تطبيق أحكام الشريعة وليس مبادئها فقط هو ما يجب ان تقوم عليه الدولة المدنية وبين من يرى ان مبادئ الشريعة هي المرجعية الرئيسية لكن احكامها مجرد اجتهادات للبشر في أزمنة قديمة وعصور مختلفة . وان مفاهيم العدل والحرية والكرامة تتجسد فقط في الدولة المدنية التي لا تتعارض مع القيم والمبادئ الدينية .
اتساع الرقعة بين المفهومين يؤجج الخلاف المتصاعد في مصر بين الرئاسة الإخوانية وأحزابها وبين المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني خاصة وسائل الاعلام والقضاء ، فلقد اظهر الاسلاميون انهم غير قادرين على لبس ثوب آخر غير ثوبهم الحزبي فيما تفرض عليهم متطلبات السياسة والقيادة ، الانتقال من مفاهيم قيادة حزب الى مفهوم قيادة الدولة وهو ما يتطلب منهم استيعاب جميع الأفكار ومختلف الاتجاهات .
لقد وصل الاسلاميون الى الحكم عن طريق ثورة شعبية فجرها شباب لا علاقة لغالبيتهم العظمى بالجماعة ، انما هم الشعرة التي قصمت ظهر البعير ، فهذه الاحتجاجات والاعتصامات المحدودة والمتفرقة خلال السنوات العشرة الاخيرة تراكمت مع الوقت لتصنع رد الفعل الكبير المتمثل في ثورة يناير ( كما يصف ويحلل الدكتور نادر فرجاني ).
الازمة في مصر لا تحل باعمال التحدي في الشارع ولا في البيانات المتضاربة بين الرئاسة الإخوانية وبين قوى المعارضة ومعهم القضاء والإعلام ، انما بحوار فكري بين جميع القوى لتحديد مفهوم الدولة المدنية ووضع فوارق وحواجز بين مصالح الاحزاب ومصالح الوطن ، خاصة عندما يتعلق الامر بوضع الدستور . فالشعارات التي نشاهدها عبر الفضائيات في شوارع القاهرة تظهر ان هناك معركة كسر ارادات وليس توحيدها ومن المؤسف ان يندفع مرسي في مقدمة صفوف هذا الانقسام وحرب الإرادات بينما دوره ان يكون جسرا بين الجميع .
في التاريخ العربي الحديث على مدى القرن الماضي رفعت الأنظمة العربية شعارات الحرية والاشتراكية والديموقراطية والجماهيرية لكن لم يتفقوا أبدا على مضمون اي شعار، وكانت النتيجة، ان الحرية تحولت الى منافسة وأرقام قياسية في القمع والمعتقلات والسجون ، والاشتراكية تحولت الى فساد وسلب ونهب بمقدرات الأوطان ، اما الديموقراطية فتحولت الى توريث ( وتشبث بالكرسي حتى ولد الولد) كما يقول الاصطلاح الشعبي .
نرجو ان لا يعيد التاريخ نفس الخواء الفكري وتجويف الشعارات وخداع البشر والنفس . فمضمون الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة يقوم على المواطنة والعدالة والمساواة بين جميع مواطنيها ، وهو لا يحتاج الى اجتهادات أحزاب ورئاسات ، ولا لحرب شعارات في الشوارع . انه علم سياسي وأخلاقي وإنساني قائم بحد ذاته ، مثل الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وحرية الاعلام والرأي والري الاخر وقبل ذلك كله الحفاظ على التنوع الثقافي والفكري والتراثي.