حتى نكون في مركب واحد

فخري إسكندر الداوود

فخري إسكندر الداوود [ 2013\07\17 ]

حالة الارتباك في المشهد الأردني تتجلى في أداء مجلس النواب الأردني السابع عشر المفترض أنه مرآة لمكونات المجتمع الأردني المختلفة. ويلاحظ ذلك من خلال إفرازات هذا المجلس التشريعية والرقابية وطبيعة المداولات تحت القبة وتصرفات النواب خارجها المتسمة بالغرور أحياناً وبالإحساس بفائض القوة أحياناً أخرى.

عدد أعضاء مجلس النواب (150) نائباً شكّل إرباكاً داخل القبة في ظل تفسخ الكتل النيابية الطارئة ودخول عدد كبير من النواب الجدد قليلي الخبرة إلى النيابة، وكانت آلية الانتخاب بالقائمة هي السبب المباشر لزيادة العدد، ودخول نواب نضع مئة علامة تعجب كيف وصلوا إلى البرلمان. أعان الله رئيس المجلس ونوابه على إدارة الجلسات إذ يلاحظ عدم التزام النواب بحضور الجلسات وعدم التقيد بالنظام الداخلي للمجلس أثناء النقاش، مثال ذلك مناقشة قانون الضمان المهم جداً لكافة شرائح المجتمع، فبالكاد تشكل نصاب لمناقشته. والأنكر من ذلك أن أهل النصاب يأخذون الحق في الكلام ليبدؤوا بالحديث خارج سياق القانون وكأنها جلسة "ما يستجد من أعمال" وليس لمناقشة القانون المعروض.

تضخّم عدد المجلس وعدم وجود كتل داخله أدى إلى اضمحلال دور النواب المخضرمين وانخفاض صوتهم بعد أن كانوا ميزان المجلس بآرائهم المعتدلة ذات الرؤيا الوطنية وقيمتها التشريعية الواقعية، ويلاحظ المراقبون أن النواب المخضرمين أصابهم نوع من الملل والإحباط.

والحالة هذه فلا بد من تعديل النظام الداخلي للمجلس بحيث يضبط إيقاع النواب داخل القبة وخارجها وهي ضرورة ملحة للحفاظ على هيبة المجلس وهيبة الناخب واحتراماً لعقول الناخبين.

كذلك لا بد من تعديل قانون الانتخاب ومراعاة الأخطاء في القانون الحالي ومنها الصوت الواحد والقائمة التي أفشلتها تعليمات الهيئة المستقلة للانتخابات بحيث يكون هناك نسبة حسم معينة للقوائم المتنافسة بالنهاية.

لكن تعديل قانون الأحزاب بالتشاور مع الأحزاب القائمة وسائر القوى الوطنية على الحكومة إظهار الجدية والصدقية بأنها تريد أن ترى في الساحة السياسية أحزاباً فاعلة وذلك امتثالاً لرغبة جلالة الملك التي أعلن عنها مراراً. فعزوف الأردنيين عن الأحزاب سببه الأول والأخير ليس الشعب بل الحكومة ثم الحكومة، لكن بعد أن صدقنا أن الحكومة تريد أن تمهد الطريق لوصول الأحزاب إلى البرلمان وخصوصاً بعد طريقة الانتخاب بالقائمة جاءت النتائج الانتخابية للقوائم محبطة ومخيبة للآمال. المواطن وليس بالسهل عليه أن يصدق ما ستقوله الحكومات مستقبلاً عن تنمية الأحزاب، سواء كان ذلك من خلال الإعلام أو عبر تعديل القوانين الناظمة للحياة الحزبية والانتخابات، بتنا ندرك نحن الأردنيون بأن الحكومات هي التي ترغب في إفراز هكذا نوعية من ممثلي الشعب لاعتقادها أنهم أسهل على التوجيه والاحتضان من خلال بعض الخدمات والتغاضي عن أخطاء وتصرفات أخرى، حتى أتى الدور على الحكومة فأصبحت في همّ كبير ومعاناة مع كل موعد جلسة وتسمع من الكلام ما يرضي وما لا يرضي في تعاملها مع 150 نائباً.

لمعالجة الثقة المتدهورة في المجلس وبالحكومة لا بد لها من القيام بدور فعلي وحقيقي وإجراء مشاورات جادة ذات صدقية عالية مع مختلف المكونات الوطنية والحزبية وصولاً إلى فرز نواب مقتدرون، ولا بد لها من تقديم دعم حقيقي للأحزاب التي أصبحت ضرورة ملحة. فالنار تحيط بالأردن من كل الجوانب الجغرافية والأيديولوجية ولا نرى حكومة أو مجلساً يتحدثان بالموضوع المهم المرعب. المنطقة تلتهب وأيديولوجيات تسقط ومدن تتهاوى ونحن مثل البطاركة المسيحيين قبل سقوط القسطنطينية نناقش أمور الدين وغير المهمة وغير الملحة (هل الملائكة من طبيعة بشرية أم إلهية) حتى سقطت القسطنيطينية عام (1453)، وجثمت تركيا العثمانية على صدرنا (450) عاماً أعادت خلالها الأمة العربية إلى عصر الانحطاط والتردي والاضمحلال، وأصبحت الأمة العربية فريسة سهلة للاستعمار الفرنسي والبريطاني وبعدها الأمريكي وريبيته إسرائيل والحال حالياً لا تحتاج الوصف.

أيتها الحكومة لا بد من حوار وطني صادق جاد يراعي الأمن الوطني والسلم الأهلي المبني على مفهوم المواطنة الحقيقية بمساراتها الواقعية لأننا جميعنا في مركب واحد، وهو سفينتنا جميعنا، فلتبقى محصنة ذلك أن أي ثقبٍ فيها قد يغرق الوطن وأهله.

المحامي

فخري إسكندر الداوود

فخري إسكندر الداوود

0
0
Advertisement