اللامركزية في الأردن هل من ضوء في نهاية النفق !!

د.رضا البطوش

د.رضا البطوش [ 2013\01\17 ]

فكرة اللامركزية في الدولة الاردنية ليست طارئة، فقد كانت حاضرة دائماً في أذهان أصحاب القرار والمشرعين الأردنيين منذ قيام الدولة، وذلك ضمن مفهوم (اللامركزية الإدارية) القائمة على فكرة اعادة توزيع السلطة والمسؤولية والموارد المالية من اجل تقديم الخدمات العامة ضمن مستويات مختلفة من الحكم المحلي، حيث أناط دستور 52 بالمجالس البلدية أو المحلية مهمة إدارة الشؤون البلدية والمحلية وفقاً لقوانين خاصة، وذلك خلافاً لقانوني البلديات العثماني (1877) والإنتدابي (1934) اللذان عكسا درجات شديدة من المركزية، وبهذا فقد اعتبر هذا النص الدستوري في حينه نقلة نوعيه للإدارة الأردنية، وبما عكس الطبيعة المنفتحة والمتقدمة للنموذج الهاشمي في الحكم.

من الناحية النظرية فإن الهياكل الإدارية للبدء بتطبيق مفهوم (اللامركزية) على مستوى الحكم المحلي هي موجودة، لكنها بحاجة إلى مراجعة متانية ودقيقة يتم من خلالها مراعاة متطلبات الدولة الحديثة في بيئتها الإستراتيجية السائدة وبما يحقق الأمن الوطني بمفهومة الشامل، حيث ان الواقع الصعب الذي تعيشة الإدارة المحلية كنتاج لواقع صعب آخر تعيشة الإدارة العامة في الدولة الأردنية جعل من المستحيل تطبيق هذا المفهوم اي (اللامركزية)، ففي غياب الكفاءات القادرة على تنفيذ البرامج الحقيقية لا الرمزية او عدم القدرة على توظيف هذه الكفاءات إن وجدت سنستمر في فقدان الأمل برؤية الضوء في نهاية النفق، وستتعمق الفجوة بين الإدارة العامة والإدارات المحلية والمواطن بسبب تراجع مستويات الخدمة التي تقدمها هذه الإدارات.

إن هذا الواقع المؤلم هو الذي كان من أهم الأسباب وراء الفشل في تطبيق هذا الخيار، حيث أن المسؤولية الأدبية والقانونية تقع على عاتق الحكومات المختلفة تجاه هذا الواقع، والتي يفترض أن تؤسس لعوامل النجاح للإدارة المحلية، الأمر الذي يتطلب هذه المراجعة لواقعها الحالي وبناء القدرات التي تؤهلها للقيام بدورها التنموي والخدمي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى للإدارة العامة الأردنية، حيث أن (اللامركزية) لم تعد خياراً بقدر ما هي استحقاق حتمي للدول المعنية بالتنمية وبرفاه مواطنيها.

ان مثل هذا الإستحقاق يستدعي الإعداد المناسب وعدم التسرع، إذ أن اي انتكاسة في التطبيق سيكون لها تداعيات بغاية الجدية، كما قد تؤدي الى انحرافات مدمرة على مستوى الادارة العامة للدولة، وسيكون له تداعياته على المستوى السياسي، وعليه فالنموذج الأمثل هو التقدم التدريجي نحو هذا الخيار وعلى مراحل تكون محددة سلفاً وضمن استراتيجية واضحه المعالم، وذلك من اجل اتاحة المجال الزمني لتقييم الأداء، والبناء على النجاحات المتحققة، والإستفادة القصوى من الدروس المستفادة في التطبيق، أخذين بعين الإعتبار ما آلت إليه التجارب السابقة من فشل، وبشكل أعاد اوضاع الإدارة المحلية الى مستويات لم نكن نعهدها من قبل، مما يبرز أهمية البدء مبكراً بخطوات تمهيدية تشمل توجيه مختلف القوانين والتشريعات بما يتلاءم ومتطلبات الحاضر والمستقبل، ولعل من ابرزها مشاريع القوانين التي نوقشت والأخرى المطروحة حول تقليص صلاحيات المحافظين والحكام الإداريين، إذ من المستغرب ان يكون متصدرو هذه الحملات هم انفسهم دعاة مفهوم (اللامركزية)، وهم الذين يدركون أكثر من غيرهم لطبيعتها الوقائية في حماية الفرد والمجتمع، وعجز القضاء الأردني بواقعه الحالي عن ملء اي فراغ ينشأ عن ذلك، علماً بان قرارات الحكام الإداريين هي قابلة للطعن لدى المحاكم، أي انها لا تصدر او تنفذ خارج القانون.

وحتى يتسنى النجاح لمفهوم (اللامركزية) لا بد من التأطير بشكل مؤسسي فاعل للإستثمار في المصادر البشرية (Human Resources)، وعليه فإن مشروع إنشاء أكاديمية وطنية (الأكاديمية الملكية للدراسات الحكومية) تعنى بتطوير العنصر البشري في مؤسسات الدولة المختلفة أصبح من الأولويات المتقدمة وضرورة ملحة لتطوير الإدارة العامة والإدارة المحلية في الدولة الأردنية، حيث يأتي هذا المشروع كأداة إصلاحية تختص بمحور الإصلاح الإداري والذي لا شك في أنه محور مؤثر في محاور الإصلاح الأخرى (السياسي والإقتصادي والإجتماعي)، وهي الأساس في التنمية، حيث يقوم هذا المشروع على غاية قوامها تشييد صرح مؤسسي بكل ما تحمل الكلمة من معنى يسعى إلى تمكين وتعزيز الممارسات القيادية الإدارية الفضلى في كافة المؤسسات الوطنية وفي مقدمتها مؤسسات القطاع العام، فكل ما نشهده من غياب للسياسات الناظمة والملائمة لتنمية الموارد البشرية، وتلاشي جهود المتابعة والتقييم، واتساع الفجوة بين التخطيط والتنفيذ، والإفتقار لسياسات وآليات الإختيار والتعيين والترقية لموظفي الجهاز العام ترك أثاره البالغة على الدور الذي يمكن أن تحدثه الإدارة العامة والمحلية في التنمية.

خلاصة القول هي ان "اللامركزية" لم تعد خياراً بل هي المعبر شبه الوحيد للتنمية والممارسات السياسية الفضلى في بيئة كثيرة التغيّر، ولكنها تتطلب البدء بالتمهيد والإعداد الجيد فالأوضاع العامة للدولة لم تعد تحتمل سياسات (التجربة والخطأ).

0
0
Advertisement