تجربة الخصخصة في الأردن: تقييم الماضي لأجل المستقبل

عمر الرزاز

عمر الرزاز [ 2014\03\29 ]

تقدم اليوم لجنة تقييم الخصخصة تقريرها الى مجلس الوزراء. وقد تشرفت برئاسة هذه اللجنة التي تضم في عضويتها شخصيات عربية ودولية عالية الخبرة وكممثلين عن مؤسسات أقليمية وعالمية تنموية مرموقة. وقد بدأت اللجنة أعمالها في شهر اذار 2013، وذلك عقب توجيه جلالة الملك المعظم حفظه الله للحكومة ومن خلال كتاب التكليف السامي إلى:
"تشكيل لجنة من الخبراء المحليين والدوليين في مجال السياسات الاقتصادية والاجتماعية من ذوي الخبرة والنزاهة والحياد، وتكليفهم بمراجعة سياسات وعمليات الخصخصة للوقوف على أثرها الاقتصادي والاجتماعي على أساس الحقائق وليس الانطباعات أو الإشاعات، لمعرفة نقاط الضعف والنجاح وإطلاع المواطنين على نتائجها بكل شفافية، والاستفادة من الدروس المستقاة، وتضمينها في عملية رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية المستقبلية."
وكما هو الحال في الأردن، فقد اشتد الجدل وكثرت الأقاويل والشائعات في الدول العربية وفي الكثير من دول العالم حول جدوى الخصخصة وشبهات الفساد التى تحوم حول صفقاتها. وهنا يسجل للأردن أنها الدولة العربية الأولى التى تجري مراجعة شاملة لهذه التجربة، بالرغم من ان معظم الدول العربية مضت في برامج خصخصة فاق حجمها حجم البرنامج الأردني بكثير.
ولقد توخت اللجنة بإستقلالية تامة تقصي "الحقائق وليس الانطباعات،" والفرق شاسع بينهما. فالحقائق هي أساس لمنظومة معرفية مبنية على الأدلة والبراهين، التى بدورها تبنى على قاعدة من المعلومات المتاحة للجميع، وبالتالي فمن الممكن التحقق منها، والتأكد من الارقام والمعلومات الواردة فيها، وبالتالي ايضا ربطها بالنتائج والتوصيات.
ولا تدعي اللجنة ان من شأن إبراز الحقائق من خلال تقريرها ان يحسم النقاش حول عملية الخصخصة، وتداعياتها، ومستقبل العلاقة بين القطاعين العام والخاص. فهناك من يؤمن بدور اوسع للدولة في توفير الخدمات والسلع، وهناك من يؤمن بتقليص هذا الدور وزيادة الاعتماد على القطاع الخاص. هذا الاختلاف في وجهات النظر والآراء طبيعي وصحي ولكن بشرط ان يكون على ارضية مشتركة من المعلومات والحقائق.
ولا شك في أن جملة المعلومات والوثائق والتحاليل المالية والقانونية والإقتصادية ستساعد الجهات المختصة في تحقيقاتها في شبهات الفساد المتعلقة بمجريات عملية الخصخصة. كما أنها ستساهم أيضاً في مساعدة واضعي السياسات الاقتصادية والاجتماعية من خلال إستخلاص الدروس والعبر وترجمتها الى توصيات حول المستقبل تساهم في تحصين المال العام ومأسسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتوخي تعظيم العائد الإستثماري وضمان الشفافية أمام الرأي العام.
ولم تكن المهمة بالسهلة، فقد تضمنت مراجعة ما يقارب من عشرين عملية خصخصة وبيع لأسهم ومنشآت وعقود شراكة وأمتيازات من قبل القطاع العام على مدى العشرين سنة الماضية. كما تضمنت مراجعة لعشرات الأتفاقيات، وعشرات البيانات المالية المدققة، وإحصاءات وبيانات رسمية من جهات مختلفة، ودراسات بحثية سابقة. والتقت اللجنة بالعديد من ممثلي القطاعين العام والخاص والنقابات العمالية. كما استعانت اللجنة خلال الفحص والمراجعة والتقييم لعمليات الخصخصة بشركة تدقيق دولية وشركة استشارات قانونية محلية وخبراء ومتخصصين في كلٍ من المجالات القانونية والمالية والاقتصادية والموارد البشرية والتوعية العامة لضمان أعلى مستوى من المهنية في مراجعتها وتقييمها لتلك العمليات وراعت في ذلك بأن لا يكون لأي من تلك الجهات أو الأطراف أية أعمال سابقة أو دور مباشر في تنفيذ عمليات التخاصية التي تمت. وفي تقييم التجربة، لم تتردد اللجنة في الأشارة الى النجاحات أينما وجدت، كما لم تتردد في بيان الإخفاقات أيضا وتحديد العيوب وأوجه القصور في برنامج التخاصية.
إن الاردن مقبل على مشاريع تنموية كبرى لا تقل، بل قد تزيد في حجمها وأثرها الأقتصادي والإجتماعي، على مجموع ما تم خصخصته على مدى السنوات السابقة. فعند التوجه نحو مشاريع إنتاج الطاقة والمياه، وأمتيازات التعدين في اليورانيوم والصخر الزيتي وغيره من المعادن غير المستغلة، ورخص الأتصالات والترددات الجديدة، وسكك الحديد والنقل العام، والمرافق العامة، لا بد من "الأستفادة من الدروس المستقاة وتضمينها في عملية رسم السياسات المستقبلية الاقتصادية والاجتماعية" كما جاء في كتاب التكليف السامي. فالدول الناجحة ليست تلك التى لا تخطئ، وأنما تلك التى تراجع تجاربها بتجرد وتتعلم من اخطائها حتى لا تكررها في المستقبل.

الدكــــتور عــــمر الــــرزاز
رئيس لجنة تقييم التخاصية

0
0
Advertisement