الحكومات البرلمانية ومتطلبات التأطير لنجاحها

د.رضا البطوش

د.رضا البطوش [ 2013\01\22 ]

الأوراق النقاشية الأخيرة لجلالة الملك عرضت رؤية واضحة لمسيرة الإصلاح الشامل، وحددت معالم الطريق على مشوار الإصلاح الطويل الصادق والمتدرج، حيث أن خيار الحكومات البرلمانية هو جزء من هذه الرؤية الشاملة للإصلاح، إلا أن الهواجس حول تبني هذا الخيار دون الإعداد له كثيرة ويتعلق جلّها في قدرة الإدارة العامة على إسناد هذا الخيار بمنتهى الحياد وفي نفس الوقت هل تشريعاتنا تتوائم مع هذه التطلعات، ان مثل هذا الإستحقاق يستدعي الإعداد المناسب والتدرج في التنفيذ، إذ أن اي انتكاسة في التطبيق سيكون لها تداعيات بغاية الجدية، كما قد تؤدي الى انحرافات مدمرة على مستوى الإدارة العامة للدولة، وسيكون لها تداعياتها على المستوى السياسي.
وعليه فالنموذج الأمثل هو التقدم التدريجي في هذا الخيار وعلى مراحل تكون محددة سلفاً وضمن استراتيجية وطنية واضحه المعالم، تؤطر لها الدولة بكافة مؤسساتها، وصولاً إلى أحزاب ناضجة سياسياَ تؤسس لتداول سلمي للسلطة (حزب أو إئتلاف الأغلبية البرلمانية يقابله في البرلمان حزب أو إئتلاف المعارضة) والضامن لهذا التداول السلمي هو صلاحيات الملك من خلال دستورنا العظيم، وعليه فأنه لا بد من وضع هذه الإستراتيجة في إطار زمني يتم من خلاله تقييم الأداء، والبناء على النجاحات المتحققة، والإستفادة القصوى من الدروس المستفادة في التطبيق، مما يبرز أهمية البدء مبكراً بخطوات تمهيدية تشمل توجيه مختلف القوانين والتشريعات بما يتلاءم ومتطلبات الحاضر والمستقبل، تشريعات عصرية تُحصن الإدارة العامة وتمنع تسيسها أو جعلها عرضة لتجاذبات الأحزاب والساسة.
ما نريدة في هذا الإطار مؤسسات دولة كفؤة، قادرة على حماية الديموقراطية، فالجهاز الحكومي الكفوء هو القادر على تسيير (الشؤون العامة) للدولة وتحقيق اهدافها الوطنية بالتنمية والرفاه، وفقاً لمعايير العدالة والشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص، اما الفريق الوزاري فهو يمثل المستوى السياسي الذي يوجه الجهاز الحكومي وفقاً لإستراتيجية وطنية واضحة المعالم يؤسس لإقرارها ضمن القنوات الدستورية، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن النظام السياسي في الأردن لم يكن في يوم من الأيام شمولياً أو محكوماً بالحزب الواحد حتى يضطر الى (تقريب أهل الثقة واستبعاد أهل الكفاءة)، بدلاً من تطبيق مبدأ (الكفاءة والملاءمة) كأساس لإشغال مواقع المسؤولية العامة، وعند الحديث عن الملاءمة والتأهيل فإن الحكومات البرلمانية ايضاً يمكن ان تأتي بشخصيات سياسية/ حزبية لكنها غير مؤهلة، وعلاوة على ذلك فإنها أحياناً قد تلجأ الى (البديل الأسوأ) وهو ما يعرف بـ (الإحلال ) وهو استبدال الطواقم الفنية والإدارية المؤهلة بطواقم أخرى مقربة وذلك وفقاً لفهم خاطئ لمبدأ (تداول السلطة)، يرى بأنه يشمل كافة مؤسسات الدولة، مع كل ما يحمل ذلك من نتائج مدمرة على كافة المستويات، وبعيداً عن مثل هذه الافتراضات فالوزير هو معني بالإِشراف على تنفيذ السياسة العامة لوزارته بعد إقراراها من مجلس الوزراء، كما ويبت بالقضايا الرئيسة المتعلقة بها بالإضافة إلى التوجيه ومراقبة سير العمل في وزارته، أما الجانبين (التخطيطي والتنفيذي) فهما من إختصاص جهاز الوزارة، هذا الجهاز الذي ينبغي أن تتوفر له كل أسباب النجاح، وبما يحقق معايير الموضوعية والكفاءة، فالطريق إلى الحكومات البرلمانية لا بد وان يمر بمحطات مختلفة كلها تصب في (تمكين) الجهاز الحكومي من أجل القيام بمسؤولياته بالشكل المناسب، فالتجربة الأردنية لم تعد تتحمل أية انتكاسات أو هفوات، فهذا الجهاز قد يجد نفسه في المقدمة ليتحمل عبء تسيير شؤون الدولة بكل ما تواجهه من تحديات، وبما يتلاءم مع مسيرة الديمقراطية، وثقافة (التميّز والإنجاز) التي عرفت بها الدولة الأردنية عبر تاريخها الطويل، ولكي نكون قادرين على إنجاح تجربة (الحكومات البرلمانية) بمفهومها الواسع، فإنه ينبغي أن نكون على ثقة تامه بالقدرات الفنية والإدارية لجهازنا الحكومي، ولا بد لنا أن نستثمر بإنساننا الأردني مع التركيز على تأهيل كوادرنا العاملة في الإدارة العامة والإدارة المحلية كونهم الأساس في نجاح هذا الخيار الديموقراطي، وهنا ونحن على أعتاب مرحلة جديدة من الإصلاح السياسي والاقتصادي والإجتماعي، فإن الحاجة للإصلاح الإداري قد أصبحت تمثل ضرورة وطنية، فالأمن الوطني كلٌّ لا يتجزأ، والإدارة العامة والمحلية هي الأدوات التنفيذية لإتمام أي خطط للإصلاح وبدونها لا يمكن أن يتحقق، كما أن العنصر البشري المؤهل والملتزم هو الأساس في الإدارة الناجحة.

0
0
Advertisement