سلطة الموتى

محمود منير

محمود منير [ 2014\05\03 ]

لم يكن موتهم مقيداً تماماً بهذه الأدوار، فقد كان يحصل أحياناً أن يحتج بعضهم على قانون بعينه ويتم تعديله

قبورهم الأربعة تجاورت ساعة دفنه في ذلك اليوم، ليجتمعوا مجدداً - كما أوصوا ورثتهم - في العالم الآخر، بعد طول انتظار.
توفي الأول في مقتبل العمر، فلم يحتمل حياة تقيّد تفكيره، لإيمانه العميق بأن العقل لا يقبل سلطة عليه، مهما كان شكلها، واختار نهايةً لعذاباته الوجودية.
انضم إليه صديقه الثاني، الذي حلم بحروب لم يخضها، وعاش خسارات تلو أخرى، إذ سقط زعماء اعتقد أن كلاً منهم سيكون المخلص لأمة أدمنت الشعارات وانكساراتها.
الثالث كان فناناً مبدعاً يغويه الجمال المنثور على قارعة الطريق، فقضى العمر يُوّسع فسحة الأمل ويحتمى بها حتى التحق برفيقيه.
وامتهن الرابع الصحافة، وضمِن لأصحابه رثاءً يليق بحيواتهم الثرية، وربما قرر الانتقال إليهم، حين أيقن أن كلماته تجف بعد ساعات من نشرها؛ منزوعة الروح والنزاهة!
احتفلوا بمجيئه بما يحمل من أخبارٍ ستكون آخر صلتهم بالدنيا، وهم بدورهم يسردون له تجاربهم بعد الموت.
كانت تجربة أولهم فريدة من نوعها، فعكِف على مراجعة حياته وتأملها، ورصْد ما اقترف من أخطاء، إلاّ أن حنينه المفرط إلى ماضيه ظل كافياً لتبريرها، ولم يستطع الوصول إلى خلاصة شافية تقيم إنجازاته بشكل موضوعي، لكنه استحق لقب "المفكر الكبير".
لم يلتفت الثاني إلى الماضي، وبحث عن أنظمة وقوانين تدير حياة الموت، فوَضع تعليمات صارمة تحدد ساعات النوم والصحو، ومواعيد الطعام والشراب، وأوقات الكلام والصمت وتنظيف القبور، وقائمة الممنوعات من أحلام ومأكل وأحاديث.
اكتشف الفنان منذ لحظة قدومه أن عليه تدبّر مساحات أخرى، وبدأ ينظّم حفلة سمر في نهاية الأسبوع، وأطلق مسابقة لتقمص شخصيات الأحياء تُعلن نتائجها كل مساء، بل واستطاع أن يؤمّن الأطعمة والمشروبات الممنوعة ويوفرها بعيداً عن الرقابة.
أنصت الصحفي جيداً إلى مراجعات رفيقه التي لا تنتهي حول الحياة والموت، وانصاع – من دون تدقيق- للنظام الجديد، واستمتع بالترفيه المعلن والخفي، ووجد ضالته عبر طباعة نشرة صباحية تتضمن نصوصاً للرفيق المتأمل، وما يستجدّ من تشريعات يمليها الثاني، وإعلانات عن برامج السهر والتسلية التي يبدعها الثالث.
لم يكن موتهم مقيداً تماماً بهذه الأدوار، فقد كان يحصل أحياناً أن يحتج بعضهم على قانون بعينه ويتم تعديله، أو تُفرض عقوبات بسبب كشْف استخدام أحدهم سلعة ممنوعة، كما كانت تُصادر النشرة أحياناً لاحتوائها مقالاً يمس ثوابت المقبرة وأعراف الموت.

0
0
Advertisement