لأني في الله والوطن.... أحبك....

أحمد ذوقان الهنداوي

أحمد ذوقان الهنداوي [ 2014\05\05 ]

ماذا لو جيشنا كل طاقاتنا هذه وبدلا من توجيهها سلبيا لمن يخالفنا الرأي ويطالبنا بالإصلاح، وجهناها إيجابيا لأنفسنا وعيوبنا


"لأني أحبك... أتمنى عليك إصلاح نفسك".... لماذا تكون هذه الجملة على بساطتها صعبة للإدراك والفهم؟؟!!... أفيها من البلاغة و المحسنات والمجملات اللفظية ما يجعلها تحتاج لفقيه لغة لسبر أسرارها وخفاياها؟؟!!... أم فيها من الرموز والأحجيات وما أخفي بين الكلمات والحروف لتحتاج محللا يفك لغزها ويشرح ما قصد بها ولم يكتب؟؟!!.... أم تراها تحوي من الإساءة والتهجم والعدوانية ما يستوجب رد الفعل المتشنج الغاضب عليها و الذي لا يبقي ولا يذر؟؟!!.... لماذا يصعب علينا في كثير من الأحيان أن نرى الأمور كما هي... ببساطة ووضوح ودون تكلف أو تعقيد أو تفسير وتحليل مبالغ فيه؟؟!!...
فإذا أعلنت معارضة وطنية نصحها الموضوعي للنظام بإصلاح نفسه، أصبحت تلقائيا ساذجة وقصيرة نظر و محدودة أفق في أفضل الأحوال، أو خائنة عميلة تأتمر من الخارج وتقبض منه وتسعى لاستلام السلطة أو تدمير البلاد على رؤوس أهلها في أسوأها... وإذا أعلنت موالاة وطنية نصحها الموضوعي للمعارضة بإصلاح نفسها بعدم ااتشدد والإقصائية والإنغلاق، وبضرورة تطوير البرامج الملموسة المحسوسة و القابلة التطبيق والتي فيها خير البلاد والعباد، وعدم الإختباء وراء شعارات فضفاضة لا يختلف عليها أحد، أصبح الموالون تلقائيا "سحيجين" للنظام ومنافقين له ومرتزقين منه... وإذا تجرأت موالاة فأعلنت جهارا نصحها للنظام للقيام بذلك، اتصفت بالرياء و السعي للشعبية الزائفة أو العودة للأضواء أو أصبحت انتهازية وتسعى للإبتزاز لتحقيق أو تعظيم مكتسباتها الشخصية ، فيصرخ مدافعو النظام: "أين كان هؤلاء عندما كانوا في السلطة!!!!!".... وكأنما كانوا يعلمون كل مواقف هؤلاء وكل ما كان يقولون ويعملون عندما كانوا فيها... أو كأنما على الموالة الوطنية، مهما كان لديها من العلم والفكر والخبرة والمعرفة والحكمة، بأن تبقى صامتة و كاتمة على أنفاسها و متقوقعة في شرنقتها مهما رأت من سلبيات أو أخطاء حكومية، لا لشيء إلا لأنها كانت جزءا من تلك الحكومة في فترة من الفترات.... والأنكى منها جميعها، عندما تقوم معارضة وطنية بنقد بعض فئات المعارضة الأخرى نقدا ذاتيا إيجابيا بناء، وتوضح في أكثر من مرة بأن نقدها هذا إنما يأتي من منطلق حبها للمعارضة وحرصها عليها وعلى مستقبلها وديمومتها، وتوضح أيضا بأنه كما أن النظام مطالب بإصلاح نفسه فعلى المعارضة أيضا اصلاح نفسها وعدم التقوقع وتجنب سياسة الإقصاء، أصبحت تلك المعارضة الناقدة عاقة و خائنة لأشقائها في المعارضة و ناكرة لفضلهم وجميلهم عليها، مرتمية بهذا الفعل "الشائن" في أحضان النظام مع غيرها من رفاقها "المنافقين".... وكأنما صنفنا وقسمنا أنفسنا جميعا ودون استثناء ضمن أربعة تصنيفات لا خامس لها: أما خائن عميل... أو "سحيج" منافق... أو انتهازي مبتز... أو عاق وناكر للجميل.... فأنت وأنا وأخوك وأخي وقريبك وقريبي وصديقك وصديقي وجميع من نعرف كأنما يجب علينا أن نقع في أحد تلك الفئات الأربعة.... لا مفر منها....أليس بيننا رجل واحد أو امرأة واحدة طيبون وأفاضل ويقولون ما يقولون ويعملون ما يعملون ابتغاء مرضاة الله و لمصلحة البلاد والعباد؟؟؟؟!!!!... أنصنف بعضنا البعض تلقائيا استنادا إلى قناعاتنا وولاءاتنا المسبقة دونما بذل أي محاولة لتفهم الرأي الآخر أو دراسته أو حتى مجرد التفكير به، فقد يكون فيه مايفيد، لا لشيء إلا لأنه رأي تجرأ فعارضنا ونصحنا بالإصلاح، فاستحق غضبنا واستحق حربنا... حربا ضروسا شعواء لا هوادة فيها ولا رحمة؟؟؟!!!...
كيف يحدث كل هذا ؟؟!!... ومن أين لنا كل هذا التشنج والغضب وعدم التسامح وعدم تقبل الرأي الآخر؟؟!!....كيف امتهنا واستسهلنا الإساءة والتهكم والإتهامية والإرهاب الفكري ضد بعضنا البعض ونحن من ندعي أننا الإصلاحيون المطالبون بالديموفراطية و الحرية أو المعتدلون الوسطيون المطالبون بالأنفتاح وتقبل الرأي الآخر؟؟!!...كيف هذا ولماذا ؟؟؟!!! ألسنا"خير أمة أخرجت للناس" ؟؟!!... كيف نثور ونستفز ونغضب ونتعصب، لمجرد أن أحدهم طالبنا بالإصلاح؟؟!!... ألم يأمرنا الله عز وجل به عندما قال جل وعلا:"إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ "؟؟!!... كيف نكون بكل هذه الفظاظة وغلاظة الفلب ونحن من أمرنا الله بطيب القول والعمل ولين القلب واللسان بقوله تعالى: "وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"؟؟!!... كيف نكون بهذه القسوة على اخوتنا الذين يخالفونا الرأي أو الذين يطالبونا بالإصلاح، فنسيء لهم ونهاجمهم ونجرحهم بكل ما أوتينا من قوة ونحن من أمرنا دبننا الحنبف بأن نلتمس لأخوتنا سبعين عذرا فيما يقولون ويفعلون... كيف نختزن في أنفسنا هذا الكم الهائل من الشك وسوء الظن ونجاهر به ونستند إليه في تهجمنا وإساءتنا ونحن من نهانا الله عنها بفوله:"إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ".. كيف لنا أن ننكر الطيب و الخير، نية وتوجها وفعلا، ونشكك به وبمبرراته وأهدافه ودوافعه؟؟!!... متناسين أن الطيب و الخير إنما هي الأساس وأنها ما فطمنا وتربينا عليه، وأنها باقية في هذه الأمة إلى يوم الدين!!... بدلا من قصر النظر والفئوية الضيقة، بدلا من التعنصر والتحزب، من الإمتهان والتخوين، من العنف والاعتداء والضرر، أليس من الأجدى والأفضل لنا محاورة من يخالفنا الرأي . مقارعة ألحجة بالحجة وليس بالإساءة... ونحن من أمرنا عز وجل بالجدال الحسن بقوله تعالى:"وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" وقوله " وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَن" وأمره جل وعلا "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً"... صدق الله العظيم...
ماذا لو جيشنا كل طاقاتنا هذه وبدلا من توجيهها سلبيا لمن يخالفنا الرأي ويطالبنا بالإصلاح، وجهناها إيجابيا لأنفسنا وعيوبنا وسعينا بكل ما أوتينا من قوة لإصلاح أبرز أخطائنا و مساوئنا وسيئاتنا، ولا أقول جميعها، وليس منا من هو معصوم من الخطأ ومنزه عنه أو دون سلبيات و سيئات... ألن يكون مجتمعنا أفضل بألف مرة مما هو عليه الأن؟؟!!... فنكون بذلك قد طبقنا ما نسعى إليه من إصلاح المجتمع من خلال إصلاح أنفسنا دون إساءة واتهامية لأحد...
قد يكون هناك بعض من منافقين أو خونة عملاء أو انتهازيين في وطني... في النظام أو المعارضة على حد سواء... فلا يخلوا أي مجتمع منهم... ولكن لا يجب علينا أن نعمم فنصنف أنفسنا جميعا وتلقائيا و دون تفكر، استنادا لولاءاتنا المسبقة، بأننا ننتمي لأي من فئات السوء الأربعة أعلاه... فأين هو ديننا وأين هي أخلاقنا وتربيتنا ومصداقيتنا إن نحن فعلنا ذلك؟؟!!... لماذا يصعب على بعضنا أن يدرك أو يقتنع بأن هنالك كثيرون، بل الأغلبية، من الموالين أو المعارضين من أبناء ورجالات وطني إنما هم وطنيون حقا وحتى النخاع، ومحبون لثرى وطنهم الطاهر أبا عن جد ويرغبون رغبة صادقة خالصة لوجه الله لإصلاح النظام والمعارضة على حد سواء...
فيا أخي في النظام ... ويا أخي في المعارضة... ويا إخوتي المؤيدين لهؤلاء والمدافعين عنهم، أو المنتمين لأولئك والمناصرين لهم... أؤكد لكم جميعا أني وأغلبية أبناء وطني لسنا عملاء خونة ... ولسنا سحيجين أو منافقين أوانتهازيين... نحن منكم وأنتم منا... أنتم أهلنا وعشيرتنا وعزوتنا وسندنا... ما لكم لنا وما عليكم علينا.. نعيش في وطن نعشقه ونفديه بالمهج والأرواح و نفاخر به الدنيا بأسرها... وطن ليس لنا غيره... فلنتق الله به.... وعليه فلتتأكد يا أخي ولتكن واثقا كل الثقة بأن أمنيتي ورجائي لك بالإصلاح ليس مبررها ومردها و غايتها و هدفها أولا وآخرا إلا ابتغاء مرضاة الله جل وعلا ومصلحة البلاد والعباد و.... لأني أحبك...

0
0
Advertisement