الديموقراطية والتنمية الذاتية

محمد الزواوي

محمد الزواوي [ 2014\05\05 ]

علينا أن نتوقف ولو لبرهة، وأن لا نسارع الى إقصاء اﻵخر، على طريقة جدل بيزنطة حتى لايفسد نقاش 'وجهة نظر شخصية مجردة' للود قضية..

نتبارى في نسخ المفاهيم، والقيم الراسخة في مجتمعات دول الشمال منذ عقود، ثم سرعان ما نرجع كل مشاكل مجتمعاتنا النامية الى عدم تطبيق تلك القيم لدينا.
الجميع يطالب بالديموقراطية مثلاً، بدون وعي ولمجرد باننا نعتقد جازمين بأنها مطبقة بالغرب. بالتالي نعتبر بانه من التخلف بمكان ان لا نلاحق ركب دول الشمال، على إعتبار بانها ربان سفينة التطور. إن كان مصطلح الديمقراطية -وبنظرة قاصرة- يطلق أحياناً لوصف نظام الحكم في دولة نظامها السياسي هو من الناحية العلمية ليبرالي، إلا أن ذلك لايعبر بالضرورة عن المعنى اﻷشمل لهذا المصطلح الذي صدعنا رؤوسنا به بأنفسنا!
لكن الأنكى من ذلك، وعند مطالبة قطاع من الجماهير بتطبيق المفهوم على الطريقة التي اختاروا تفسيره بها، تسارع الأنظمة بالرد بانها تعمل نحو تفعيل الديموقراطية وعبر آليات محددة. والنتيجة؛ مطالبة بمنطق واﻹجابة أيضاً بنفس المنطق اللامنطقي!
فلو أردنا إضفاء بعد أوسع بقليل لإسقاط هذا المفهوم على ثقافة مجتمع ككل بما يشتمل عليه من فئات وشرائح ومكونات. إذاً فالديمقراطيّة بحسب هذا المنطق هي نظام إجتماعي معين يؤمن به ويسير عليه المجتمع ككل، وهو ينعكس على كل من الثقافة السياسيّة والأخلاقية للمجتمع والذي تتبلور فيه تلك المفاهيم لتؤكد على مدلول ضرورة تداول السلطة سلمياً وبصورة دورية.
وما تفرع عن أو ما يؤسس لذلك من قيم ومفاهيم إجتماعية، مثل قبول اﻵخر، رسوخ مبدأ النقد مع تقبله سواءً إيجابي ام سلبي على اعتبار بانه وجهة نظر. بالإضافة، الى التحرر الإقتصادي للمجتمع باكمله من كافة مكبلاته من قوانين ناظمة نابعة من تقاليد معينه، ومن تبعية إقتصادية لدول أخرى، نضيف الى ذلك حرية الصحافة باتجاهين، أي من مصادر المعلومات وحتى الوصول الى التغذية الراجعة ورد الفعل وتقبله، بل وحتى التحرر من العديد من القيم الدينية والأسرية والعادات والتقاليد..الخ.
علينا بأن ندرك، بأن النظام السياسي ما هو الى أحد إفرازات النظام الإجتماعي ككل مما يعني بالضرورة بأنه جزء منه. باختصار وحتى لا نقحم أنفسنا بقضايا تنحى الى التفلسف والجدلية، علينا وقبل المطالبة كمجتمع بتغيير أن نعي بأن ما نطالب به بهذه الطريقة يتعارض مع كثير من قيمنا المجتمعية وما يتفرع عنها او يؤسس لها...الخ.
بوضوح أكثر، عندما نطالب بإدخال أي مفهوم حيز التطبيق بنظرة قاصرة، على الجميع ان يسأل نفسه، و يجيب بصراحة بالغة، هل يقبل الاب ويلبي وجهة نظر أولاده حتى لو تعلق اﻷمر بقرارات مصيرية حاسمة لمستقبلهم؟ هل يتقبل أحدنا اﻵخر حتى لو تبنى توجه آخر مثل العلمانية وحتى الإلحاد والعكس؟ بالمقابل هل يرحب حزب ليبرالي يساري على سبيل المثال بترخيص حزب ديني يميني متطرف قائم بالأساس على الغاء اﻵخر؟ وهل الدولة باركانها كافة غير خاضعة أساساً لتبعية إقتصادية من أي نوع؟ هل يرتضي الصحافي مثلاً النقد والمسائلة من قبل الجماهير، وأن يضع لنفسه مدونة سلوك تقييد نظام عمله؟
وغيرها الكثير من الأسئلة، والتي يجب بالضرورة الإجابة عليها مسبقاً بعد تفكر وتمحيص من كل النواحي وأبعاد تلك المفاهيم المستوردة بدون وعي وعلى مستوى المجتمع ككل.
عند التحرر من كافة القيم المقيدة وحتى نصل الى تطبيق ذلك المفهوم على مستوى المجتمع، فإننا سنجد أنفسنا عرايا من كافة ما يميز مجتماعتنا. الخلاف هنا ليس على المفهوم نفسه وطرق تطبيقه وقياسه، بل على تفسيره بمعناه الأعم وبالتالي دراسة مدى ملائمته لمجتمعاتنا من ثم إتخاذ قرارات بشأن تطبيقه من عدمه.
الرفض من ناحيتي الشخصية، وقبل كل شئ يتعلق بمبدأ إستيراد مفاهيم تزعزع هوية القيم التي تَسِمُ مجتمعاتنا. والبديل هو موائمة النظام الإجتماعي الذي نتفرد به وبعض الجزيئات المحددة التي تلبي طموح بعض شرائحها، مع اﻷخذ بنظر اﻹعتبار ضرورة إنتاج المفاهيم الجديدة محلياً -بدلاً من إستيرادها- على أن تكون منبثقة من القيم التي بنيت عليها مجتمعتنا باﻷساس لا المجتمعات المصدرة.
وكأي نوع من أنواع التغيير، وحتى يكون فعالاً وذا نجاعه عليه ان ينشأ من الداخل كما تؤكد كافة نظريات التنمية. فأول ملامح التغيير، لابد وأن تكون التحرر من نير التبعية الإقتصادية التي ترزح على اواصل الدولة ككل، وذلك من أجل توفير مناخ مناسب بالأساس لوضع أطر التغيير المرجو. وحتى لانتكبد كلف فادحة لمواصلة إستيراد مفاهيم لا تلتقي وقيم مجتمعاتنا بل وحتى تجانب الصواب بمعناه المطلق، لنوقف بذلك الجرح النازف من جراء إعصار الغزو الثقافي الذي ضرب بقوة جنبات مجتمعات دول الجنوب، وتركها ملقاة على قارعة الطريق نحو الحداثة.
في نهاية الكلام، إن كان المجتمع ككل يعاني الأمرين من عملية تهميش وعملية غزو ثقافي يؤدي الى محو قيمه الأساسية، بهدف توحيد الهوية الكونية بما يتناسب وأهداف الثقافة الإستهلاكية التي أسست لها العولمة. فكيف له أن يؤسس لحرية تنزع عنه ما يعتبره البعض استبداد.
علينا أن نتوقف ولو لبرهة، وأن لا نسارع الى إقصاء اﻵخر، على طريقة جدل بيزنطة حتى لايفسد نقاش "وجهة نظر شخصية مجردة" للود قضية..

محمد الزواوي

0
0
Advertisement