الدولة والكرش المترهلة

محمود منير

محمود منير [ 2014\05\17 ]

سيثبت في سجل التحقيق أنني قمت بـ'الجريمة' تحت تأثير المسكرات، ولن تصل محكوميتي إلى ستة شهور في أسوأ الأحوال

أقفل الراديو بحركة متثاقلة من يده ليُخرس مذيع الأخبار، وأشبع المسؤولين شتماً لتلاعبهم بالقانون، وبدا صوته خارجاً من كرشه الملتصقة بمقود التاكسي لفرط ترهلها.
كان غاضباً من أجل أحد أصدقائه، الذي اكتشف عقب طرده من عمله "معلم حلويات" مدة ثمانية عشر عاماً، أنه لم يكن مشمولاً بالضمان الاجتماعي رغم اقتطاع النسبة المفترضة من راتبه، وحين توجه إلى القضاء لم يحصل سوى على ما اقتطع منه.
لم يترك السائق فرصة لشرودي، وانطلق يفصّل لي خطة مدروسة تشفي له غليله من رب عمل ظالمٍ وسلطة عاجزة عن إحقاق العدل، فيما نظراتي تتبع شعره الأشعث وذقنه المهملة، ودخان سيجارته المنفوث جهتي.
وفجأة التفت نحوي وأصابعه تشير إلى ندبة في ذراعه، وأقسم يميناً مغلظاً أنها أثر رصاصتين ثمناً لرفضه دفع "خاوة" لا تتجاوز الدينارين فرضها أحد زعران الحي أيام شبابه.
تفحصت بحركة لا إرادية ساعدي الأيمن، وأنا أنصت إلى كلمات الرجل الصادرة عن كرْش مترهلة ترتطم بالمقود.
عاد حديثه إلى الثأر لصديق عمره، الذي يبحث عن وظيفة في الخمسين من عمره، إذ أمهل صاحب محل الحلويات أسبوعاً لدفع تعويض مجزٍ، وإلاّ سيقتحم معمله ومحله ويحرقهما بالكامل، وسيسلّم نفسه للشرطة فور تنفيذه المهمة "التاريخية".
ظهرت عليّ علامات الشفقة ممزوجة بالاستهجان لقبوله السجن لقاء تنفيذه حكْمه "العادل" بحق خصمه، فردّ علي بعين الخبير القانوني: المسألة أبسط مما تتصور. سيثبت في سجل التحقيق أنني قمت بـ"الجريمة" تحت تأثير المسكرات، ولن تصل محكوميتي إلى ستة شهور في أسوأ الأحوال.
لم أجد سبباً يدفعني لإكمال النقاش، واستعدت صور أرباب عمل لم يفوا لي حقوقي حتى اللحظة: كاتبٌ نذر حياته للدفاع عن سيادة الأوطان والمقاومة، وتاجر أفسد الصحافة ولا يزال كذبه يلقى رواجاً، وأكاديمي امتهن الإعلام للوصول إلى السلطة.
تخيلت الثلاثة مكبلين بحبل غليظة يقتعدون الأرض، وقد حاصرهم رجال متهدلي الكروش وعيونهم تفيض شراً، ولم أستطع التنبؤ بالعقوبة التي استحقوها، لكني استفقت على كلمات السائق ينبهني بوصولي إلى المحكمة.

0
0
Advertisement