قمة الرياض التنموية لغة جديدة في العمل العربي المشترك

د.رضا البطوش

د.رضا البطوش [ 2013\01\24 ]


عبّرت "قمة الرياض" التنموية الأخيرة (20- 21 كانون الثاني 2013) عن لغة جديدة وغير مألوفة في العمل الإقتصادي العربي المشترك، فبعد ستة عقود من أُطر التعاون الرسمية المطبقة لم يفلح هذا التعاون في رفع نسبة التجارة البينية بين الدول العربية أكثر من 10% من تجارتها الخارجية، ولكن وعلى الرغم من تواضع الإنجاز، فإن مثل هذه الأُطر لا زالت تبدو قابلة للتطوير والتكامل مع ما استجدَ على المستويين الرسمي والخاص (القطاع الخاص العربي)، في حال توفر الإرادة السياسية، فالمعيقات التي حالت دون ذلك لم تتغير، كالتباين في مستويات التنمية وعدم التجانس بين إقتصاديات الدول العربية، بالإضافة إلى تخلف قوانين تشجيع الإستثمار، وضعف البنى التحتية، ولكن ما يبعث على الأمل هو الإرادة السياسية لدى الدول العربية ذات الثقل، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي عودتنا على السياسات والنهج المسؤول الذي يستشعر وجع الأشقاء ويعي تماماً لكل أدبيات العمل العربي المشترك التي عاشها وعايشها منذ البداية.
أما العامل الأخر الذي يمكن التعويل عليه في هذا المجال فهو "القطاع الخاص العربي"، الذي يُفترض أن يعمل بمعزل عن تجاذبات السياسة، هذا القطاع الذي بات يمثل المحرك الأول للنشاط الإقتصادي، بعد تراجع الدور الشمولي للدولة، أما عن مساهماته في المؤتمر فقد عبّرت عنها وبوضوح مذكرة "منتدى القطاع الخاص العربي" التي رفعت إلى القمة قبل أيام من انعقادها، والتي تضمنت رؤية متكاملة تقود إلى حُلم (السوق العربية المشتركة) عبر السعي لبلورة إرادة سياسية لمعالجة كافة العقبات التي تواجه حركة الإستثمار وحرية التجارة البينية والعمل على تطوير شبكات النقل وإفساح المجال أمام دور ومشاركة القطاع الخاص الفاعلة في مبادرات التنمية والتكامل الإقتصادي بين الدول العربية، الأمر الذي تبنته القمة إلى حدٍ ما، ولكن بلغة غير واضحة وتخلو من الضمانات المطلوبة للإلتزام بالتنفيذ، وبنفس القدر من الوضوح جاءت بعض مقررات القمة ومنها رفع رؤوس أموال المؤسسات المالية العربية المشتركة بنسبة لا تقل عن 50% من حجم رأسمالها، بالإضافة إلى مقررات أخرى موجهة نحو تشجيع الإستثمار البيني وخفض معدلات البطالة، ودعوة القطاع الخاص العربي إلى المبادرة بالإستفادة مما توفره هذه المقررات من مزايا وضمانات، وسط التزام المشاركين بتهيئة المناخ الإستثماري في بلدانهم وسن القوانين والتشريعات الوطنية في هذا الإتجاه، ويلاحظ المتتبع لمجريات القمة وما سبقها من تحضيرات ظهور لغة جديدة في العمل الإقتصادي العربي المشترك، وهي لغة جادة في مقاربة التحديات الإقتصادية، وتوجه نحو المشاريع الإنتاجية ومشاريع البنية التحتية، كقرار تبني "الإستراتيجية العربية لتطوير استخدامات الطاقة المتجددة".
نعم لقد نجح المؤتمر، ولكن التعويل يبقى على الإلتزام بالمقررات، لا كما حصل لسابقاتها (قمتي الكويت وشرم الشيخ)، فقد حان الوقت لكي تعي الدول العربية الغنية ما يترتب من انعكاسات سلبية جرَّاء الأزمات الإقتصادية التي يمر بها الأشقاء، وعلاقة ذلك بتنامي ظاهرة الإرهاب، وأخيراً بقي أن يتذكر القائمين على التحضير للقمة القادمة (المقررة في تونس) بضرورة الدخول إلى مرحلة القرارات المحددة والخطط الإستراتيجية لتوحيد قوانين وتشريعات الإستثمار في الدول العربية، وتبني تصور معقول للحاكمية (Governance) على مستوى المؤسسات القائمة على النشاطات الإقتصادية بقطاعيها الخاص والعام، آخذين بالإعتبار أن القطاع الخاص لدى قسم كبير من الدول العربية هو بلا تقاليد.

0
0
Advertisement