كيف انتخبنا 'العريف'؟

محمود منير

محمود منير [ 2014\06\05 ]

لم نعترض بادئ الأمر على عريفنا، رغم عدم تفوقه الدراسي، واستعراضه بطول قامته، وقوته البدنية


دخل الصف وبيده عصا غليظة، لكن لم تغادرة ابتسامة ونظرة محبة وصارمة في آن، وأعلن منذ اللحظة الأولى أنه مربي الصف، ومن سيدرسنا مواد اللغة العربية، والتربية الإسلامية، والاجتماعيات، والفن أيضاً.
جال بينا، وعينه تتبع خمسة وثلاثين تلميذاً، ومنحنا بعض الوقت لنجيب عن أسئلة تتعلق بتحصيلنا الدراسي في العام الماضي، والوظيفة التي نطمح إليها في المستقبل، بينما كان يدقق بتعابير الوجه وحركات اليدين ودرجة الخجل التي يقف عندها كلٌ منا.
وعلى نحو مباغت، ربَت على كتف محمد، واستدار باتجاه اللوح -السبورة كما كنّا نؤمر بلفظها- وأصدره فرمانه الأول بتعيينه "عريفاً"، لأنه الأقدر على حفظ النظام خلال فترة الاستراحة المقررة بين الحصص.
لم نعترض بادئ الأمر على عريفنا، رغم عدم تفوقه الدراسي، واستعراضه بطول قامته، وقوته البدنية، وتهديده المتواصل باستخدامها كلما تشاجر مع أحد زملائه، وبقينا نشاركه اللعب ونتقاسم معه الأطعمة والشراب.
كان يسجّل محمد أسماء الطلبة المشاغبين على لوْح الصف الأخضر، لينالوا عقابهم: توبيخاً أو ضرباً بالعصا الغليظة، وحين نظنّ أنه تكاسل عن أداء واجبه يوماً، نكتشف لاحقاً تدوينه الأسماء على ورقة يخبئها في جيبه، أو اعتماده على الذاكرة.
تمددت سلطته عبر الوشاية بنا، وبالأخص أؤلئك الذين يختلفون معه لأسباب شخصية، وأصبح يقدّم تقارير منتظمة إلى مساعد المدير تكشف حتى رغباتنا الدفينة بخرق الأنظمة.
وفي الأيام التي يغيب فيها محمد عن المدرسة – على قّلتها- كانت تسود الفوضى في الصف، ونحظى بعقوبات إضافية من المعلم المناوب ومربي الصف ومساعد المدير، إلاّ أن أيِّ منهم لم يشأ اختيار مساعد للعريف ينوب عنه في الملمّات.
لم يدم الحال طويلاً، إذ قررت الأغلبية الاعتراض على زميلهم "المخبر" بسبب تحيّزه ضدهم، وتعمّدوا التذكير بسلوكه المخالف للقوانين التي يُفترض تطبيقه لها، وضعف تحصيله الدراسي.
اقترح مربي الصف اختيار عريف جديد، وتحديد يوم الغد لانتخابه، ليقابل العرض بترحيب وفرح شديدين، وقدّم ثلاثة تلامذة ترشحيهم ورابعهم محمد.
سارت الأحداث متسارعة، إذ استقدمت الإدارة الجميع، وتوافدنا منفردين إليها، لنعود بعدها بالإرباك ذاته، ونلوذ بصمت متجنبين فضولاً بدأ ينطفئ تدريجياً مع انتهاء الدوام.
في اليوم التالي، خُصصت حصة الفن لإجراء الانتخابات، التي أسفرت نتائجها عن فوز محمد بأصوات الصف كاملةً، وتقبل بدوره التهاني والتبريكات لثقتنا الغالية.

0
0
Advertisement