القاع الذي نخاف

محمود منير

محمود منير [ 2014\06\13 ]

طقوسٌ تُفصّل عند معايشتها أموراً كثيرة نحاول إخفاءها في حياتنا 'الرسمية'.

أستغرب تجاهل الصحافة والدراسات الثقافية لتعبيرات اجتماعية مهمة مثل: بيوت العزاء وحفلات الأعراس وختان الذكور، أو عادات البيع والشراء في الأسواق الشعبية، أو "الليل وأبنائه" في أماكن السهر.
طقوسٌ تُفصّل عند معايشتها أموراً كثيرة نحاول إخفاءها في حياتنا "الرسمية"، فنلحظ خضوعنا للعادات والتقاليد، التي تنظّم الموت منذ آلاف السنين في بلادنا، عبر اجتماع الناس حول ذوي الفقيد، وعدم تركهم للحزن وحيدين، في دلالة تشير- ربما- إلى انعدام الأمان لدى الفرد، الذي يعود إلى مجرد رقم بين جماعته مهما نأى أو اختلف بسلوكياته عنها.
لا أمسك على حقيقة، إنما تتملكني رغبة الكشف عن وقائع نزعم ممارستها بعفوية واعتيادية، وذاكرتي تحتفظ بخبر نُشر، منذ شهرين، عن عفو عام طال مئات السجناء أقرّه ملك عربي بمناسبة "تطهير" ابنه.
من المؤكد، أن ربط الفحولة بالسلطة ليس احتكاراً لولي العهد المذكور، حيث تحتشد أغانينا الشعبية بهذه الدلالات، ومنها: "طهره يا مطهر بالموس الرفيع، واصبر عليه يا مطهر حتى عدوُّه يطيع".
ذاهبُ بعين الصحافي، أودّ كتابة تغطية لعرس، لأرصد المدعوين وهم يتفاعلون بالطريقة نفسها مع أغانِ طربية وشعبية وحتى إن كانت "وطنية" أو حزينة، وعبثاً أستدعي صورة أوروبي أو صيني أو برازيلي يرقص على أغنية "يا بيرقنا العالي" أو "يا ريتك لو تيجي يمي"، في حال وجودها في ثقافته أساساً.
وسأجنّب نفسي في المقال مناقشة انحدار الذائقة في اختيار "كوكتيل الأغاني"، والتلوث الضوضائي الذي يُطرب الحاضرين رغم افتقادهم التواصل، لكني لن أغمض العين عن "الفرح" الذي يُستسنخ في فنادق وصالات احتفالات، كل يوم، متجاهلين استلابنا إلى هذا النموذج "الهجين"، وتوّحدنا حوله مهما ادعينا وجود اختلاف سياسي أو ثقافي فيما بيننا.
إدعاء قد يبقى ملتبساً في أفراحنا وأتراحنا، غير أنه يتجلى بوضوح في سوق الجمعة، وفق أبسط معادلات العرض والطلب، التي تجتذب الأثرياء قبل الفقراء للدخول في لعبة "المفاصلة"، التي اختفت في ثقافات أخرى، إضافة إلى استبطان نداءات الباعة للمسكوت عنه وتضمينها المفارقات التي تملأ حياتنا.
"عرض وطلب" واختزال مكثف لتحولات المجتمع يمكن تتبعهما، كذلك، في الملاهي الليلية، ويحتاج صحافة متطورة تنبش في القاع؛ صورة المرأة التي نشتهي، واشتباك "الليل" ونزواته بـ"النهار" ومصالحه، وعمق انكساراتنا وجراحنا التي نتراقص عليها.

0
0
Advertisement