سألتحق بـ'داعش'

محمود منير

محمود منير [ 2014\06\15 ]

كلّ ما هو مختلف عنا دينياً أو مذهبياً أو ثقافياً هو بالضرورة أقلّ منا شأناً، وأن هؤلاء المختلفين يتآمرون دوماً ضد ديننا وبلادنا


أعترف أنني تلقيت بذور "الداعشية" في مدرستي، التي تشبه بقية مدارس الوطن الحكومية، بكوادرها التدريسية ومناهجها المقررة وأسوارها المغلقة.
كان أغلب المعلمين رافضين لنزعات الحداثة في الأدب والفنون والتعليم وجميع مجالات الحياة، ولديهم موقف عدائي من "المرأة"، التي لا يرونها إلاّ أمّا صالحة أو ربة بيت "مرضي" عنها، ولديهم قوالب جاهزة لِما يجب أن نأكله ونشربه ونلبسه ونتعلمه ونتخيله ونفكّر به.
وإذا ما حضرت مفردات "الدستور"، و"الدولة المدنية"، و"الديمقراطية"، و"العلمانية" في الدرْس، يؤكدون لنا أنها مفاهيم تُحفظ من أجل اجتياز الاختبارات، لكنها تخالف مبادئنا وقيمنا الأصيلة، وفق زعمهم.
وما زلت حتى اليوم أعجز عن تحديد تلك الأصالة والمبادئ والقيم، التي يُكثر الزعماء ورجال الدين والنخب والوجهاء والمخاتير من ترديدها.
كلّ ما هو مختلف عنا دينياً أو مذهبياً أو ثقافياً هو بالضرورة أقلّ منا شأناً، وأن هؤلاء المختلفين يتآمرون دوماً ضد ديننا وبلادنا؛ هي خلاصة ما تلقيناه من معرفة في صفوف الدراسة.
لا تنحصر "الدعوَشة" في المؤسسات التعليمية، بل تمتد جذورها إلى الأسرة، التي أنشأتنا على الشك بالدولة، لأن القائمين عليها بعيدون عن الإسلام "الصحيح"، ولم يكن اعتراضهم عليها نتيجة استبدادها أو فسادها أو حتى توظيفها للدين وحركاته السياسية بما يخدم مصالحها.
الخطاب الرسمي ووسائل إعلامه تشكّل خير نموذج لـ"داعش" عبر إثارتها لخطاب الكراهية والتحريض ضد كل فئة تخرج على السلطة، فتصفها بالمندسّة والمرتبطة بقوى أجنبية، ولم تتقبل أي رأي ناقد أو معارض لسياساتها.
فظائع ومجازر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام هي تطور طبيعي للإقصاء والاستبداد والتخوين والقمع التي مارسته أنظمتنا العربية طوال العقود الماضية.
المجاميع البشرية على امتداد السجن العربي الكبير تتظاهر بالتسامح وقبول الآخر والعقلانية، بينما هي تقتات – في الخفاء- على الأحقاد والعنصرية والإقليمية وإثارة الغرائز.
كلنّا داعش، ولا يفصلنا عن ممارسة القتْل والتدمير سوى إطفاء النور، فجأة، فيذهب خوفنا من السلطة، التي تقوم سياساتها، أيضاً، على تحويلنا جميعاً إلى دواعش.
"دواعش" نتناسل في بيوتنا وشوارعنا ومؤسساستنا وأحزابنا وجامعاتنا ومدارسنا وصحافتنا ونوادينا الرياضية، وجاهزون لتقديم خدماتنا لمن يدفع أكثر، والالتحاق بالعمل لحظة ما يتقرر ذلك.

0
0
Advertisement