إعلامنا المرتهن لرجال الدين

محمود منير

محمود منير [ 2014\06\26 ]

نسير نحو الهاوية بصحافة ترتهن للأمن وأجهزته، و'البنزنس' وإعلاناته، ومرجعيات دينية تستند إلى 'الغيب'.

رجال دين يحظون ببرامج تلفزيونية وإذاعية صممت على قياسهم، أو باستضافات شبه دائمة خلالها، أو عبر الإدلاء بآرائهم ضمن تقارير تتطرق لمواضيع لا يدركها إلا أصحاب الاختصاص، أو تناقش قضايا أجازها القانون ولا يمكن مخالفته بمجرد إطلاق فتوى على الهواء.

يتجاوز إعلاميون أبسط قواعد المهنة حين يمنحون أساتذة الشريعة فرصة تقديم حلول لجميع أزماتنا؛ العنف الجامعي والجريمة والبطالة وصولاً إلى الديمقراطية والإصلاح السياسي، وكلما أخطأ أحدهم يُعفى من المسؤولية على قاعدة "الدين صالح لكل زمان ومكان، والعيب بمن يطبقه".

عيوب متراكمة بالنظر إلى قصور رؤى رجال دين يقترحون صيام الشباب حلاً لتأخر سن الزواج، بينما أرقام الاغتصاب والتحرش واللقطاء في تصاعد، أو يحيلون ظواهر الاكتئاب والوسواس القهري وغيرها من الأمراض النفسية إلى غياب الوازع الديني متجاهلين أسبابها الحقيقية بل ومعادين لطروحات علم النفس غالباً.

"انفصام" لا تجده في ثقافات شعوب أخرى تنظر إلى واقعها بصورة علمية، وتواجه مشاكلها بإحالتها إلى الباحثين والدارسين كلٌ في مجاله، وهو ما فعلته دول إسلامية تشهد اقتصادياتها نمواً عاليا ومنها ماليزيا.

الأخطر منذ لك كله يتعلق بالتطاول على الدستور والقوانين المعمول بها، إذ يجري تحريم العديد مما نصّت عليه هذه التشريعات: التعليم المختلط في الجامعات، أو العمل في البنوك والفنادق، أو القروض البنكية فيما يُحلل الاقتراض من بنك بعينه.

ويتعامل الصحافي باحترام وتقدير مبالغين مع صاحب الفتوى، ويُصبغ عليه لقب "عالم"، وفي الوقت نفسه بينما تجهل وسائل الإعلام أسماء علماء وخبراء بذلوا أعمارهم وعافيتهم من أجل العلم.

وتتجلى الصدمة بظهور إعلامي لاختصاصيين في علم الاجتماع والتربية والاقتصاد يتخلون عن المعرفة، ويتقمصون دور الوعاظ ليكسبوا جماهيرية وحضوراً.

ازدواجية تحكم - بالأساس - عقلية الأنظمة الحاكمة في دولنا العربية، التي أقرت دساتيرها عقب "الاستقلال"، ثم انتكهتها بالفساد واحتكار السلطة والثروة، وبمجاملة رجال دين يشددون على الدوام بأن الشرائع السماوية تسمو فوق كل القوانين "الوضعية"، وفق تعبيرهم.

"مجاملة" تنخر الدولة من داخلها، وتسهم في إدامة التطرف، وتفتيت المجتمع مذاهب وطوائف وقبائل تتصارع خارج الدولة والتاريخ.

نسير نحو الهاوية بصحافة ترتهن للأمن وأجهزته، و"البنزنس" وإعلاناته، ومرجعيات دينية تستند إلى "الغيب"، وفي ارتهانها يُهان العقل ويٌستلب الإنسان.

0
0
Advertisement