أقفلوا الروضة

محمود منير

محمود منير [ 2014\07\02 ]

أصحو اليوم على صاحبة الصوت الأبشع في التاريخ، وهي تصيح لأن أحدهم اشتكى ضد روضتها 'النموذجية'

لحظ عاثرٍ أصاب مواطنين مثلي، أجاور إحدى رياض الأطفال، التي يحمل اسمها مفردة الفرح أو الأحلام أو السعادة، بينما يكفيني تلصص يومٍ واحدٍ من نافذة بيتي ليتملكني الحنق على انهيار مؤسساتنا التعليمية، وأغفر لنفسي هربي من الروضة منذ 32 عاماً.
صوتها البشع يصلني معلناً بداية الصباح حتى بتّ مقتنعاً أنه شرط أساسي لاختيار مديرات المدارس والرياض الخاصة، وأن تسربه إلى أحلامي المزعجة يحتاج مني الاطمئنان على حال جيراني الطلبة، ونصح أهاليهم بالتوجه بهم إلى أقرب طبيب نفسي.
امرأة مستفزة على الدوام، كثيرة الكلام، ولم تستطع رغم صراخها المتواصل أن تلجم الفوضى في مملكتها الصغيرة، بينما يتوزّع الأولاد في الحديقة التي لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار مربعة، طيلة أيام المخيم الصيفي بوصفه نشاطاً إضافياً خلال العطلة السنوية.
لا يتلقى الأطفال أي معلومة "جافة" أو مرفوقة بالتسلية وفق أحدث النظريات التعليمية، إنما يفترشون الأرض ويجيبون على جملة أسئلة حفظتها عن ظهر قلب –بحكْم الجيرة- وهي مجرد "حزازير" كتلك التي تعرضها القنوات الفضائية طمعاً بإيرادات الرسائل الخلوية، وطبعاً يضاف إليها الأسئلة عن الصحابة والفتوحات، ولا غرابة أن تخطئ معلمتهم في الإجابة عنها.
نصف مدارس المملكة تعتمد منهاجاً دينياً أو تضيف حصصاً إضافية للتربية الإسلامية، إلاّ أن الجميع يتباكى على انحدار المستوى الأخلاقي لمجتمعنا، ولا نجرؤ على التساؤل عن جدوى التعليم الديني المتزايد رغم الآفات والمخاطر التي ينتجها.
أعود إلى جيراني، الذين ينهون واجبهم الثقيل في أقل من ساعة، ثم تضع المُدرّسة الفاضلة فاصلاً غنائياً يمتد حتى نهاية الدوام، وتصبح مسؤوليتها الوحيدة إضاعة الوقت وضبط الطلاب لئلا ينشب شجار فيما بينهم.
يطير عقلي من رأسي مرة أخرى، حين تنطلق الأغنيات الهزيلة والركيكة كلمات وألحاناً؛ كوكتيل من أغاني الأعراس، وسائقي الباصات والشاحنات، وقنوات "الهشك بشك"، مترحماً على زمن ريما بندلي ومحمد ضياء الدين وفؤاد حجازي.
أصحو اليوم على صاحبة الصوت الأبشع في التاريخ، وهي تصيح لأن أحدهم اشتكى ضد روضتها "النموذجية"، على حد قولها، لبنصب غضبها على المعلمات، فيقينها بأن مؤامرة تحاك عليها من الداخل، وأن "الخارج" يقرّ بإنجازاتها، حيث تفيض غرفتها بأوسمة التقدير وشهادات التكريم.
أنا مواطن لا أثق بالسؤولين وتقديم الشكاوى إليهم، وأمنيتي الوحيدة أن تقفلوا الروضة، وتعيدوا طلبتها إلى منازلهم آمنين، أو أن تُخرسوا الصوت البشع، فقد يصعب عليكم إغلاق معظم رياض الأطفال دفعة واحدة.

0
0
Advertisement