دفاعاً عن الوطن لا عن الهيئة المستقلة

د.رضا البطوش

د.رضا البطوش [ 2013\01\30 ]

ثقافة التخوين والتشكيك باتت تمثل الأداة الأهم التي يجري توظيفها بغير حق وعبر التحريض من قبل كل طامع في تمرير مخططاته ومصالحه على حساب الوطن، هذه الثقافة تعززت خلال الفترة الأخيرة وأصبح لها مخالب تنهش في لحم المجتمع وتهدد عناصر لُحمَته وتآلفه وتقطّع أوصاله، بعد أن اتخذت أشكالاً عبثية مدمرة عنوانها التمرد والتشويش على المجتمع والمؤسسات، مستغلة بالباطل مظلة "الربيع العربي" للتحرر من كل حَرَج في التطاول على كل القيم، وكيل التهم في كل إتجاه، فلم تعد الأدلة ضرورة لتسويق الإفتراءات ولم تعد الحقائق تكفي لتحصين الإنجازات، أو حماية من لا ذنب لهم إلا "الإنجاز"، مثل هذه الأجواء وفرت مساحة اكبر للتخريب والتربص بالإنجازات وتشويشها والسعي لقتلها في مهدها، وفي مثل هذه الأجواء تُستهدف "الإنتخابات"، لا بل يُستهدف الوطن ومؤسساته، فبدلاً من التوقف والمراجعة وإستنباط الدروس تماماً كما يجري في أي بلد في العالم، فإن المؤسسات التي عملت على مدى شهور مضت وأنجزت تجد نفسها بموقف الدفاع عن ما أنجز، بعد أن تسلل التحريض إلى قواعد الضمير الجمعي للناس، هذا الضمير النقي البسيط الذي شكّل الرافعة وحبل النجاة للوطن عبر تاريخه الطويل، وعليه فالدفاع هنا هو عن الوطن ومنجزاته، لا عن الإنتخابات أو الهيئة المستقلة، بعد أن أصبحت شهادات الجهات الدولية وإشاداتها غير كافية رغم حيادها، فالحياد لم يعد مطلوباً ولا يجدي نفعاً بمواجهة أصحاب المواقف المسبقة، فمن علت أصواتهم بالباطل وبالحق مطالبين بإعادة الفرز، يعيبون على الهيئة المستقلة استجاباتها لمثل هذه الطلبات، وتأخرها في إعلان النتائج، ترسيخاً لمبدأ الشفافية وتعزيزاً للنهج الديمقراطي، في الوقت التي ترى فيها الجهات الدولية المحايدة عنصر قوة ومصدر ثقة.

إن ما حققته الإنتخابات بالمقاييس "الديمقراطية والإدارية" هو سابقة ونموذج أردني يُحتَرم، فليس بالضرورة الرد على كل حاقد، ولكن لنحمي أجيالنا ممن لم يفوتوا فرصة ولم يتركوا منبراً إلا واستغلوه للتعريض بالوطن وإخفاء إيجابياته، ولنُنّزه تاريخنا الذي نخشى أن تكتبه لنا أقلام الحقد، أما النقد ومهما بلغت قسوته، فهو من بديهيات الإصلاح، والانفتاح على الناس هو "نموذج هاشمي" في الحكم عبرَ التاريخ، ولكن عندما يصل "الظن" إلى درجة "التنبؤ" بلا دليل بوجود لوحات تحكم عن بعد بالنتائج (Wireless) عندها يحق لنا أن نستهجن، أما من يُشكك أو يستغرب أن يكون الأردنيين قد اقبلوا على التصويت في الساعات الأخيرة، فهذه ظاهرة أردنية لم تخرج عنها أي انتخابات سابقة على مَرِ التاريخ، إذ دأب الأردنيون على الإدلاء بـ (30-40%) من أصواتهم خلال الساعات الثلاث الأخيرة من الإنتخابات، كما أنها تعّبر عن طبيعة إنسانية أيضاً، إذ ذُهل الإسرائيليون الأسبوع الماضي عندما بلغت نسبة الاقتراع 46% في الساعة الثالثة ظهراً،علماً بأنها لم ترتفع عن 40% ضمن هذا التوقيت عبر تاريخها الطويل، مثال أخر غريب يلوي الحقائق وبطريقة خارجه على المعايير الدولية، كاحتساب نسبة الإقتراع قياساً بمن يحق لهم الإنتخاب وليس حسب سجلات الناخبين، والخروج بنتيجة مُضلله مفادها أن نسبة الاقتراع هي (37 %)، وهنا وللتذكير فقد كانت نسبة التسجيل (65%) ونسبة التصويت هي (56%) وكلا الرقمين مُشرّف، فماذا بعد!! نقولها لمن ارتدوا لبوس النُخب وما هم بنُخب، ونقولها لمن نهجهم تظليل الشارع الأردني إن لدينا شعب طيب معطاء لن ينطلي عليه هذا التظليل، شعب يعتز بإنجازاته وبقيادته الفذّة التي تعبر به عبوراً متدرجاً آمناً نحو مستقبل واعد.

أن ما يؤلم حقاً هو حجم الخذلان سواء من قبل المشككين أو من قبل الصامتين عن الحق، العالمين بحجم الإنجاز، وما يؤلم أيضاً هو حقيقة أن هذا الحجم من التخريب الفكري هو لحساب الغير هذه المرة، واخيراً ليعلم كل من يشير بغير التقدير العالي للهيئة المستقلة للإنتخابات، أن ما حققته الهيئة هو إنجاز وطني بإمتياز، وهو قيمة معنوية مضافة للديمقراطية وتأطير يؤسس لمستقبل واعد ونهج ديموقراطي يليق بالوطن ومؤسساته ويستحقه شعبنا العزيز صاحب هذا الإنجاز العظيم.

0
0
Advertisement