المناورة البحرية الروسية في المتوسط الأهداف والدلالات!

د.رضا البطوش

د.رضا البطوش [ 2013\02\03 ]

المناورة الروسية في البحر المتوسط (22 - 29 كانون الثاني 2013) وعلى ضخامتها (23 قطعة بحرية من ثلاث أساطيل هي: البلطيق، البحر الأسود واسطول الشمال )، جاءت على هامش تعزيز وتجديد الوجود البحري الروسي في البحر المتوسط، فعملية التبديل بين اسطولي (البلطيق والبحر الأسود) هي ذات دلالة، فمن الناحية التاريخية فقد ارتبطت حركات الأســـاطيل عموماً بمَدلولاتٍ نفسية وإستراتيجية عميقة تبلورت بعد قرون من ما عُرف بصراع البحار، والذي حدد الخطوط العريضة لجغرافيا العالم السياسية، يوم كانت (المناورة بالأساطيل) حِكراً على الدول الكبرى، وعنصراً ملازماً لأدوارها الإستراتيجية على الساحة الدولية، ومن هنا يمكن قراءة الحركة الإستراتيجية البحرية الروسية الأخيرة نحو البحر المتوسط (قبالة السواحل السورية وفي قاعدة طرطوس)، كإيذان ببدء دور روسي جديد ومتجدد على الساحة الدولية، كما أراده ورسم له "بوتين" الذي ذاق مرارة (غرق الغواصة النووية الروسية كورسك مع طاقمها عام 2000) وكانت وحسب تعبيره اشد وقعاً عليه من كل ما حل ببلاده بعد الإنهيار.

عسكرياً فإن "قاعدة طرطوس" هي محدودة الفائدة نظراً لصغرها وإفتقارها إلى العمق الذي يسمح برسو بوارج كبرى، لكنها تمثل رمز للوجود الروسي في المتوسط وتأسيس لحق روسي مكتسب بهذا المجال، أما بالنسبة لحقيقة وخلفيات هذا التحرك، فإنه ينبغي أن لا يُفسّر في سياق الرغبة الروسية في مواجهة ومقارعة الأساطيل الأمريكية، فمثل هذا الخيار لم يكن مطروحاً حتى في أيام الحرب الباردة، وذلك لأسباب معروفة كعدم التكافؤ والإختلاف الجذري في المهام بين الطرفين، فالولايات المتحدة دولة قارية (Continental State) مضطرة للإنفاق على (11) حاملة طائرات تمثل حضورها فيما يعرف بـ (ما وراء البحار)، بينما روسيا هي في قلب العالم وليست مضطرةٍ إلى مثل هذا الخيار المكلف، وتحرياً للدقة وللتذكير نقول إن البحرية الروسية قد بدأت مؤخراً بتبني عقيدة غربية حول الإنتشار البحري الواسع، وبشكل يقتضي خروجها من حدود البحار المحاذية (البحرين الأسود والبلطيق) إلى آفاق أوسع، كما عاد يراودها حلم "بطرس الأكبر" بالوصول إلى البحار الدافئة، وبالتالي فإن مثل هذا التحرك يمكن قراءته في هذا السياق، وكصفحة من صفحات هذا التطور الإستراتيجي، والتحوّل في الأدوار الدولية لروسيا، وهذا لا يمنع تحميل المناورة و"الحركة الإستراتيجية البحرية" بعض الرسائل السياسية كما عكسها الإعلام الروسي (الردع لأي نوايا تجاه سوريا، عرض للقوة، ممارسة دور العظمة الدولية، تهديد ضد أي نوايا تستهدف حلفاء روسيا في أي مكان)، وليس من بين هذه الرسائل بطبيعة الحال، إجلاء الرعايا الروس من سوريا (كما يحلل قارئي الأخبار).
وبشكلٍ عام فإن مثل هذا التحرك بات يثير العديد من التساؤلات حول مستقبل الوجود البحري الروسي في المتوسط بعد انتهاء الأزمة السورية، والتي ليس لها إجابة إلا التأكيد على أنها باقية، وهي قابلة للتوظيف (ضمنياً) في قضايا إقليمية أخرى، من خلال الحضور العسكري في المنطقة ودلالاته الإستراتيجية، وقدرته على دعم وإدامة الأدوار الدولية النشطة، هذا الواقع الدولي والإقليمي يُمكن التعّويل عليه في تقريب وجهات النظر المختلفة لإيجاد توافق دولي وإقليمي حول حلول ناجعة لبؤر التوتر الإقليمية خاصة تلك التي من إفرازات وتداعيات الربيع العربي وبخلاف ذلك فإن إنعكاسات هذا الواقع الجديد والمتدحرج في ما يسمى بالربيع العربي والذي يُستغل بفضاعة في سياق إستراتيجيات الفرص لتحقيق أهداف دولية وبأدوات إقليمية سيكون كارثياً على أمن دول الإقليم دون إستثناء، فكُرة الثلج لن تتوقف عن التدحرج إذا ما وصلت قوى التطرف في المنطقة إلى السلطة، عندها ستكون العملية السلمية برمّتها في الشرق الأوسط في مهب الريح وما سيترتب على ذلك من إنعكاسات على الأمن والسلم الدوليين.

0
0
Advertisement