داعش واستيراد الغاز العربي المسروق

عمر العطعوط

عمر العطعوط [ 2014\09\09 ]

ان المس بكرامة الناس بقرارات مثل استيراد الغاز من عدوهم كالعبث بمواردهم وأرزاقهم، فالإنسان المقهور الضعيف يلجأ دائما للمجهول


أنا لست خبيرا اقتصاديا، وقد لا أعلم عن كلفة بدائل الطاقة الأخرى، ولكني أعلم أن استيراد الغاز العربي "المسروق" من قبل العدو الاسرائيلي لا يجوز أن يُطرح ضمن الخيارات المتاحة أصلا، وتنفيذه يشكّل جريمة تُعيب وتُجرم أخلاقيا وشعبيا هذه الحكومة وكل صاحب قرار في هذا الموضوع بما في ذلك منظروا العيب ممن يحاولون تبرير مثل هذه القرارات اقتصاديا وماليا بل وجعلها دفاعا عن الفقراء وفواتيرهم.
وعلى الرغم من أن التعامل الرسمي والدبلوماسي مع العدو الإسرائيلي اصبح واقعا منذ توقيع معاهدة وادي عربة في العام 1993، بل وشكّل الموقف من تلك المعاهدة البوصلة في الاختيار لدخول نادي النخبة الجديدة من رؤساء ووزراء وأعيان بل ونواب من الناحية العملية، إلا أن القرار الأخير باستيراد الغاز من دولة الاحتلال شكل حالة جديدة وصادمة للمجتمع ولا يمكن تفسير أسبابه وتوقيته بمعزل عن الأوضاع التي تعاني منها المنطقة منذ بداية أحداث ما سمي بالربيع العربي وما تلاها من حروب دموية بشعة في سوريا والعراق على وجه التحديد، وعودة النظام السابق للسلطة في مصر.
كنت قد كتبت سابقاً أن النظام ولإيمانه أنه انتصر في معركة الإصلاح التي بدأها الحراك الأردني السلمي في عام 2011 قد بدأ يفرض شروط المنتصر. فكانت العودة عن ضمانات الملك لمخرجات لجنة الحوار حول قانون الانتخابات والتمسك بقانون الصوت المجزوء، وتوقفت المسرحيات الإعلامية حول ملاحقة الفاسدين ومعاقبتهم واستعادة أموال وأراضي الدولة. وعادت بنا بعض القوانين مثل المطبوعات والنشر ومحكمة أمن الدولة وما رافقها من ملاحقات أمنية وتجييش إلى ما يشبه عهد الأحكام العرفية. ومن ثم جاءت التعديلات الدستورية الأخيرة لتقوض الدستور وتجهض نظام الحكم النيابي الملكي. إن تحالف السلطة والمال في عهد المملكة الرابعة أفرز لنا مستشارين عابثين وحكومات موظفين أصحاب أيادٍ وقلوب مرتعشة، ومطبخ أمني يُدير الفريقين معا! والجميع الآن يهمسون في أذن الملك: لقد انتصرنا في معركة الإصلاح، والأوضاع الإقليمية في المنطقة كفيلة بإسكات الناس ومنعهم من الاعتراض حتى على قرار يصيب كرامتهم مثل استيراد الغاز العربي المسروق من قبل الصهاينة: فداعش على الحدود، وهنالك حالة خوف حقيقي من انتقال هذه الحالة إلى الأردن، والأولوية اليوم للدفاع والتجهيز لمواجهة الخطر القادم.
إن محاربة خطر الفكر المتطرف الدموي لا تكون بحلول أمنية قصيرة المدى فقط بل من خلال تجفيف منابع هذا الفكر والذي يعتمد بالدرجة الأولى على التخلف والفقر والجهل والفُرقة والانقسام، وهذه كلها أيضا أدوات تستخدمها الأنظمة غير الديمقراطية والتسلطية. إن ارادة التصدي لأخطار داعش تتطلب إشراك الشعب بالمسؤولية وبالتالي التنازل طوعا عن السلطة المطلقة والانفراد بالحكم اللذين يؤديان إلى الفساد والإفساد في مختلف المناحي وينتج عنهما ما ينتج من فقر وجهل واحباط وكره، ولان السلطة المطلقة تتطلب من ممارسها أن يفعل ما بوسعه لترسيخ انقسام الناس (فرق تسد)! ولكونها تتناقض والعدالة، وبالتالي هي التي تجعل أي مجتمع حاضنة طبيعية للتنظيمات المتخلفة الدموية.
ان المس بكرامة الناس بقرارات مثل استيراد الغاز من عدوهم كالعبث بمواردهم وأرزاقهم، فالإنسان المقهور الضعيف يلجأ دائما للمجهول، ولن يستطيع احد منافسة داعش وأمثالها في تقديم هذا المجهول!

0
0
Advertisement