ما بين المبالغة والحقيقة مساحات واسعة للتضليل وهدم الإنجازات!!!

د.رضا البطوش

د.رضا البطوش [ 2013\02\07 ]

قليلون هم الذين توقفوا عند ما ذكرته وسائل الإعلام قبل أيام، حول رفض الحكومة السويسرية تحويل المبالغ التي هرّبها رموز النظام المصري السابق، والتي قدرتها "لجنة إسترداد الأموال المصرية المهربة" المنبثقة عن وزارة العدل بـ (750) مليون دولار، وذلك خلافاً لما أجمع عليه المعنيون قبل الثورة بان حجم المال المهرب هو بحدود (70) مليار دولار، وقد اُعتُبِرَ ذلك في حينه عنصراً محركاً ووقوداً لثورة الشباب المصري، وبين هذين الرقمين يمكن أن نقيس حجم المبالغة وحيّز الأسطورة في العقل العربي، ولمن يعتقد للحظة أن ما ذُكر هو تبرئة للنظام السابق، فإن الحقيقة تقول أن كلا الرقمين هو غير مشروع.
لقد لازمت صيغ المبالغة اللغة العربية بعد عصور الإنحطاط التي مرت فيها الأمة، بحيث أصبحت وسيلة لا غنى عنها للتعبير، وبشكلٍ حلت فيه الأقوال مكان الأفعال، كما يذكر كتاب (العقل العربي) للكاتب (Raphael Patai) الصادر عام 1972، مثل هذه المبالغات هي ملازمة لإنعدام الثقة التي تنتهي بالحاجة للتوكيد اللغوي القائم على المبالغة أيضاً، والتي يتم التعبير عنها إما لفظاً وإما بالوقائع المُختلقة عند الضرورة، وقد كانت هذه الظاهرة ولا زالت موضوعاً للدراسة من قبل جهات أجنبية مختلفة وقُدمت فيها رسائل جامعية من قبل دارسين أجانب وليس عرباً (مع الآسف) وهنا لا بد من الإشارة إلى حقيقتين ببالغ الأهمية وهما:
 أن هذا الواقع يجعل المجتمعات العربية مكشوفة أمام أي مخططات خارجية، وبشكل يهدد بتقطيع أوصالها واختراق منظوماتها القيمية.
 أنه لم يعد بإمكان الأمة العربية أو أيٍ من دولها مواجهة مثل هذه التحديات أو التعايش معها بالوسائل التقليدية، وذلك في ضوء الثورة الهائلة في وسائل الإعلام والمعلومات ومنظومات الإتصال الإجتماعي، وأننا لا يمكن أن نواجه ما تفرضه علينا معطيات البيئة الإستراتيجية السائدة بمجتمعات مكشوفة وبشكل تفتقر فيه إلى الحد الأدنى من التحصين.
مثل هذا الواقع يتطلب التوقف والمراجعة، وتحرك شامل على مستوى المجتمعات وبشكل اقرب ما يكون إلى "الثورات الثقافية والحضارية" التي يمكن أن تقود إلى استراتيجيات بعيدة المدى، موجهة نحو تصحيح المفاهيم واعتماد الحقائق، وتجنب المغالاة، وتوظيف المؤسسات (التعليمية، الأكاديمية، الأدبية والإعلامية) لهذه الغاية، وبما يشمل أيضاً ما يعرف بمواثيق الشرف التي تُلزم المعنيين بتوخي الحقيقة في كل ما يُنشر.
إن هذا النهج الفوضوي المبني على سياسات التهويل والمبالغة لتحقيق أجندات شخصية هو مدمّر للأوطان، ويستزف القدرات، حيث أن ما يؤلمنا حقاً هو أن هذه الثقافة قد تعززت في السنوات الأخيرة وأصبحت عناصر هدم تهدد أمننا الوطني، هذا النهج لا بد من مواجهته من خلال شعبنا الطيب إنتصاراً للوطن وإنجازاته وصوناً لوحدتنا الوطنية بعد أن إتخذ خروجاً على كل القيم أشكالاً عبثية تكيل التهم في كل الإتجاهات، وعليه فلنتمعن في المآلات المؤلمة لما يسمى بالربيع العربي في دول الإقليم التي كانت مسرحاً له، مآلات مفتوحة للمجهول توظف بفضاعة في سياق إستراتيجيات الفرص لتحقيق أهداف دولية وبأدوات إقليمية، وما يجعل عين المراقب تبيّض من الحزن أنها مآلات محزنة صيغت وتصاغ بأيدي بعض أبناء تلك الدول أيضاً.

0
0
Advertisement