نحن، وفستان ميركل

محمد الزواوي

محمد الزواوي [ 2014\10\16 ]

يتغافل العديد عن حقيقة أن معظم رؤساء الوزراء في أوروبا يذهبون لعملهم بالمواصلات العامة أو الدراجات الهوائية توفيرا للطاقة وحماية البيئة

تعليقا على صورة انتشرت مؤخرا للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وهي تظهر بمناسبتين مختلفتين (بفارق اربعه سنوات) وهي ترتدي نفس الفستان. حيث إنتشرت على الفور تعليقات على مواقع التواصل تسابق فيها بعض العرب على انتقاد المستشارة ووصفوها بأنها غير مواكبة للموضة، أو حتى بأناه مدعية الاقتصاد والتقشف، أو أنها تحاول رسم صورة ذهنية معينة بشكل متعمد. بل وذهب البعض إلى أبعد من ذلك باتحافنا بتحليلات وصلت حد وصفها بأنها سكرانة أو خرفة حتى تحاول جذب الإنتباه لها عن طريق هكذا ابتذال...الخ!!

ما لا يعرفه معظم أصحاب التعليقات آنفة الذكر، بأن ميركل تحمل درجة الدكتوراة بالفيزياء، وقد لفتت النظر اليها منذ بداية صعودها من خلال الدراسات التي عكفت على إعدادها ونشرها (وليس من خلال مظهرها أو محاكاتها للموضة)، ناهيك عن اطروحة الدكتوراة الخاصة بها، بالإضافة الى وصولها لسدة حكم الحزب الذي تنتمي اليه، بل وحتى قيادة حزبها للحصول على الأغلبية وبالتالي حصولها على منصب مستشارة ألمانيا وسيدتها الاولى، بل وربما انتزاعها للقب "السيدة الحديدية" من رئيسة وزراء انجلترا السابقة مارغريت تاتشر.

أنجيلا ميركل غير مضطرة الى ادعاء الاقتصاد أو التقشف. وهنا تكمن النقطة التي يجدر التوقف عندها، فالغرب يمتلكون مقاربة مختلفة للأمور عن الطريقة العربية. فلو كان ما تقوم به المستشارة من باب التظاهر فلدي شك كبير بأننا اقدر على نقدها من صحافة بلادها الحرة الموضوعية؛ أو حتى من قبل معارضيها .وميركل كغيرها، لطالما طالتها الانتقادات والتي خاضت في شؤونها الشخصية، ومثال ذلك الانتقادات الشديدة التي تعرضت لها بسبب حضورها المتكرر لمتابعة منتخب بلادها الكروي، وبأنها تهدر موارد مركزها لممارسة هواياتها الشخصية، مما أدى إلى ردها عدة مرات بأنها تسافر وتقيم خلال تلك المباريات على نفقتها الشخصية في حال انها لم تكن مكلفة رسميا بحضور هكذا مناسبات. ففي كأس العالم الأخيرة سافرت إلى البرازيل وعادت بنفس اليوم لتجنب إهدار وقتها بعيدا عن العمل!

يتغافل العديد عن حقيقة أن معظم رؤساء الوزراء في أوروبا يذهبون لعملهم بالمواصلات العامة أو الدراجات الهوائية توفيرا للطاقة وحماية البيئة. وألمانيا بدورها من أكثر دول العالم توظيفا للطاقة البديلة وقد حققت على هذا الصعيد أرقام عالمية متفوقة ولديها أهداف طموحة جدا على صعيد استبدال الطاقة الكهربائية المنتجة من خلال المفاعلات النووية إلى "طاقة بديلة نظيفة" بالكامل وضعتها في مقدمة دول العالم الأول في هذا المجال. ولا يخفى على احد بأن المانيا تتمتع بقوة صناعية هائلة ساهمت في احتلالها لموقع متقدم في طليعة الدول العشرين العظمى. كل ذلك وغيره أدى إلى الترسيخ لاقتصاد محلي متين بات يعد حجر الزاوية لاقتصاد الاتحاد الأوروبي برمته.

فيما نحن العرب أبطال العالم بلا منازع بقدراتنا اللامتناهية على الإستهلاك، ويبقى جل إهتمامنا هو الموضة والأزياء، على الرغم باننا لسنا بقادرين حتى الآن على الاكتفاء الذاتي من الخبز، لاسيما تبوءنا مكانة مرموقة بين أرباب الاستيراد والتسول من دول الشمال!

ولطالما بانهم يزرعون ونحن نأكل؛ وهم يصنعون ونحن نستهلك،فلن يفلح العرب يوما سوى بمحاكاة القشور والنقد من أجل النقد فقط، ودون أي أسس، على منهج النقد المبني بشكل كامل على انعدام المعلومة والنظرة القاصرة ومن زاوية واحدة مظلمة ضيقة للقشرة الخارجية، والتي أن تعكس بالضرورة عقد النقص والاضطهاد المجتمعية التي فرضنا على أنفسنا مكابدتها!

الهدف هنا ليس الدفاع عن المستشارة أو غيرها من ناحية سياسية، بل على العكس فعلى صعيد رأيي الشخصي -المتواضع- فالاختلاف الايدلوجي معها وغيرها كبير وليس هناك متسع من الوقت الآن لنقاش ذلك.

لكن السؤال الملح والذي يجدر هنا نقاشه ذاتيا، هل نحن في قرارة أنفسنا مقتنعين بأننا أصلا أهل لنقاش ما يدعي أو ما لا يدعي مثل هؤلاء ممن يتفننون بالتفاني لخدمة أوطانهم وايصالها إلى مواقع، قد يجزم الكثيرين بأن بيننا وبينها هوة قد تجاوزت المائة العام!!

0
0
Advertisement