الحكومات البرلمانية بين الطموح والهواجس !!!

د.رضا البطوش

د.رضا البطوش [ 2013\02\11 ]

للحديث عن الحكومات البرلمانية في مثل هذا التوقيت أهمية خاصة، وهي ليست مرتبطة بالضرورة مع الحكومة القادمة، ولكنها جزء من الإجتهادات والجدل الدستوري الدائر على اتساع الوطن حول المفاهيم الديمقراطية المناسبة للإرتقاء بالتجربة الأردنية، أما الحكومة الحالية فإن الخيارات حيالها لا تتسع لأكثر من التشاور بشأن تشكيلها مع الكتل البرلمانية، فليس هنالك من يُجادل بأن القوائم والكتل البرلمانية الحالية يمكن أن ترقى إلى مستوى الأحزاب السياسية القادرة على تشكيل حكومات برلمانية بشكلها المباشر، اي ان يتم تشكيلها من قبل الأحزاب السياسية.

قبل الدخول في الجوانب الفقهية للحكومات البرلمانية والدستورية فإنه لا بد من التذكير ببعض البديهيات التي تحكم هذا الأمر، وفي مقدمتها أن الحكومة الدستورية هي الحكومة التي يقيد سلطتها الدستور والتي لا تمارس سلطة مطلقة فوق الأفراد، وعليه فأن السلطة تتوزع بين السلطات الثلاث (التنفيذية، التشريعية والقضائية) في ظل مبدأ فصل السلطات والذي يهدف إلى تحقيق مزايا التخصص ومنع إساءة إستعمال السلطة إذا ما أجتمعت وظائفها الثلاث في هيئة واحدة، أي أنه لما كانت السلطة مفسدة وأي مفسدة كما يقال فأن فصلها يصبح ضرورياً لصونها من التسلط، فالسلطة تحد السلطة، حيث أن نظرية فصل السلطات تعتبر اليوم إحدى الخصائص الأساسية للحكومات الديموقراطية، إلا أن هذا المبدأ لا يمكن أن يتم في الممارسة الفعلية إلا من خلال تداخل السلطات الثلاث في شؤون بعضها البعض، والذي يهدف إلى تحقيق مبدأ جوهري في الممارسة الديموقراطيـــة وهو مبدأ التدقيق والموازنـــــة (Checks and Balances)، وأما التفسير الحرفي لنظرية فصل السلطات فهو تفسير غير عملي ولا يمكن تطبيقه فعلياً، كما أنه لا ينسجم مع جوهر النظرية نفسها التي لم ترم من فصل السلطات وتوزيعها إلى تحقيق إنفصال تام وإنعزال في الممارسة، فالأساس في الفصل أن تتأكد كل سلطة من ان السلطتين الأخريين لا تسيئان إستخدام السلطة المخولة لهما، ففي الأنظمة الديموقراطية المعاصرة يتضح جلياً مبدأ فصل السلطات من خلال تداخلها، منعاً لتغول سلطة على الأخرى.

أما فيما يتعلق بالحكومات البرلمانية فكل بلد له "الحق في أن يختار ما يُلائمُهُ من مفاهيم ديمقراطية وسياسية"، وذلك وفقاً لإعتبارات تتعلق عموماً بمستويات التطور (الإقتصادي، الإجتماعي والسياسي) وأخرى لها علاقة بخصوصيات كل دولة، وبشكلٍ عام فليس هنالك تعريف مُحدد للحكومات البرلمانية، فبعض الفقهاء يرى بان جميع الحكومات في الأنظمة الدستورية هي برلمانية، ما دامت تنال الثقة من مجلس النواب المُخول بحلها وإستجواب أيٍ من أعضاءها في أي مرحلة من مراحل عملها، مثل هذا التصور يعطي الأولوية لمبدأ فصل السلطات وليس للإعتبارات الحزبية، وهو لم يأتي جزافاً بل حرصاً على الدور الرقابي للبرلمانات الذي تٌعطِلَهُ الإزدواجية بالضرورة، لا بل أن النائب/الوزير وبالتجربة (تجاربنا وليست تجارب غيرنا) يُسخّر إمكانيات وزارته لخدمة شريحة (وليس الكُل) من دائرته الإنتخابية، والنتيجة هي أن وزارات ومؤسسات خدمية بالكامل استبيحت بهذه الطريقة، ولا زالت تعاني إلى اليوم آثار الشللية والعبث.

هنالك مقارنات ظالمة ومُضللة دأب البعض على ترديدها من باب التسويق للحكومات البرلمانية المباشرة، وهي تركز على التجربة البريطانية التي تقوم فيها الأحزاب بتشكيل الحكومة، مثل هذه المقارنة أولُ مَن يُظلمُ فيها هو الشعب الأردني نفسه، إذ ليس لدينا أحزاب سياسية بالمقاييس النظرية أو العملية، بالشكل الذي يؤهلها لتولي المسؤولية والنهوض بالحياة السياسية الأردنية، وبما يسمح بتداول سلمي للسلطة ضمن المفاهيم الديموقراطية المعاصرة (حزب أو إئتلاف حزبي في السلطة يقابله حزب أو إئتلاف حزبي في المعارضة)، بالإضافة إلى الإشكالية الأخرى والتي علينا أن نعيها من خلال تفهمنا لواقع الديموقراطية في محيطنا العربي ونستلهم منها الدروس والعبر لنؤطر لممارساتنا الديموقراطية بما يخدم وطننا الحبيب وشعبنا الطيب، وأن نضع نصب أعيننا دائماً أمننا الوطني، فالأمن لا يعرف قيمته إلا من فقده، فالأحزاب القائمة في أنظمتنا العربيةً هي ذات جذور شمولية من الناحية الايدولوجية، مهما حاولت الإدعاء بغير ذلك، وهي ترى ان تداول السلطة هو مرحلة، وقد أظهرت التجارب القريبة وليس البعيدة، مدى الخلط في فهم مبدأ "تداول السلطة"، وكذلك الخلط بين مفهومي (السلطة والدولة)، إذ تعاملت الاحزاب الفائزة مع دولها وكأنها قد خسرت حرباً، وبشكل يأخذك دون أن تدري إلى مشهد عربة القطار التي وقعت فيها ألمانيا صك استسلامها للحلفاء في فرساي عام 1918، إذ لم يمضي على وجود هذه الأنظمة في السلطة إلا بضعة أسابيع حتى عمدت الى استبدال القسم الاكبر من رجال الصف الأول والثاني من أجهزة الدولة وبشكل طال حتى قادة التشكيلات العسكرية، فهل هذه هي الحكومات البرلمانية ؟.

بعيداً عن تفاصيل المرحلة، فإن الضرورة تقتضي البدء بحوار وطني شامل، لا بل اكثر من حوار، بحيث يكون الهدف هو الإستمرار بمسيرة الإصلاح التي بدأها جلالة الملك حفظه الله ، فنحن دولة زاد عمرها عن تسعين عاماً وقد آن الأوان لنضع قواعد سياسية ثابته للإستقرار الدستوري، والتقدم التدريجي في خيار الحكومات البرلمانية وضمن استراتيجية وطنية واضحه المعالم، تؤطر لها الدولة بكافة مؤسساتها، وصولاً إلى أحزاب ناضجة سياسياَ تؤسس لتداول سلمي للسلطة (حزب أو إئتلاف الأغلبية البرلمانية يقابله في البرلمان حزب أو إئتلاف المعارضة) والضامن لهذا التداول السلمي هو صلاحيات الملك من خلال دستورنا العظيم والبدء بخطوات تمهيدية تشمل توجيه مختلف القوانين والتشريعات بما يتلاءم ومتطلبات الحاضر والمستقبل، تشريعات عصرية تُحصن الإدارة العامة في الدولة الأردنية وتمنع تسيسها أو جعلها عرضة لتجاذبات الأحزاب والساسة.

0
0
Advertisement