اعتقال بني ارشيد يخالف الدستور

محمد الحموري

محمد الحموري [ 2014\11\24 ]

نظامنا القانوني ليس عاقراً بشأن التعامل مع العبارات التي كتبها بني ارشيد على موقعه بالفيس بوك، ووجهها إلى دولة الإمارات، إذ أن الذي يحكمها هو نصوص قانون المطبوعات والنشر.

وفقاً لما نشرته وسائل الإعلام، فقد تم اعتقال الشيخ زكي بني ارشيد بسبب ما نشره على موقعه/الفيس بوك من انتقادات لدولة الإمارات العربية المتحدة، ووجه له مدعي عام محكمة أمن الدولة، تهمة مقارفة جريمة "تعكير صفو العلاقات مع دولة شقيقة وتعريض مصالح الأردنيين للخطر"، وبعض الصحف ذكرت الإساءة لدولة صديقة. لست من جماعة الإخوان المسلمين، ولا من حزب جبهة العمل الإسلامي، ولكني احتراماً للدستور وما كفله للمواطن الأردني، أبدي ما يلي:
1) إن جريمة التعكير وتعريض مصالح الأردنيين للخطر المذكورة، أوردها قانون العقوبات الأردني في المادة (118/2) وجعل منها جناية، حيث نصت هذه المادة على ما يلي:
"يعاقب بالاعتقال المؤقت مدة لا تقل عن خمس سنوات: من أقدم على أعمال أو كتابات أو خطب لم تجزها الحكومة فعرّض المملكة لخطر أعمال عدائية أو عكر صفو علاقاتها بدولة أجنبية أو عرّض الأردنيين لأعمال ثأرية تقع عليهم أو على أموالهم."
ويلاحظ هنا أن النص يتحدث عن دولة أجنبية وليس دولة صديقة أو شقيقة.
كما أن التعديل الذي جرى على قانون منع الإرهاب في 1/6/2014، قد اعتبر في المادة (3/ن) عملاً إرهابياً عقوبته الأشغال الشاقة المؤقتة:
"القيام بأعمال من شأنها أن تعرض المملكة لخطر أعمال عدائية أو تعكر صلاتها بدولة أجنبية أو تعرض الأردنيين لخطر أعمال ثأرية تقع عليهم أو على أموالهم".
ويلاحظ هنا أن الفعل المجرّم بهذا النص، هو ذات الفعل الوارد في المادة (118/2) من قانون العقوبات، لكن الاختصاص أصبح لمحكمة أمن الدولة.
وحيث أن ما صدر عن الشيخ بني ارشيد كان رأياً مكتوباً، فإن السؤال هو: هل يتفق مع حكم الدستور اعتبار هذا الفعل يشكل جريمة تعكير صفو علاقات الأردن مع دولة أجنبية أو تعريض الأردنيين لخطر أعمال ثأرية؟
2) إن التجريم في المادتين السابقتين، في مجال موضوعنا، له صلة وثيقة بحرية الرأي من حيث أساسها وجوهرها، وفقاً للمادة (15/1) من الدستور الأردني التي تنص على أن:
"تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل أردني أن يعرب عن حريته بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير، بشرط أن لا يتجاوز حده القانوني".
ورغم أن المحاكم الأردنية قضت في وقائع مماثلة، بل متطابقة، لما هو منسوب للشيخ بني ارشيد، بأن هذه الوقائع تدخل في باب حرية الرأي التي تكفلها المادة (15/1) من الدستور، ولا يجوز تطبيق المادة (118/2) من قانون العقوبات عليها، إلا أننا الآن لا نحتاج للإستناد إلى هذا الاجتهاد القضائي رغم سلامته، بعد أن حسمت المادة (128/1) من الدستور التي أضيفت عام 2011، أمر عدم دستورية مادة قانون العقوبات ومادة الإرهاب سابقتي الذكر في مجال موضوعنا.
3) ذلك أن المادة (128) من دستورنا، تنص فقرتها الأولى على أنه:
"لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها".
وأوجبت الفقرة الثانية من المادة (128) المذكورة إلغاء أو تعديل جميع النصوص التي تتعارض (في موضوعنا) مع حكم الفقرة الأولى سابقة الذكر، خلال مدة حدها الأقصى ثلاث سنوات تبدأ من تاريخ سريان النص الدستوري، أي من تاريخ 1/10/2011.
4) وحيث أن المادة (118/2) من قانون العقوبات، والمادة (3/ب) من قانون منع الإرهاب، في ضوء ما سبق، تؤثر على جوهر حرية الرأي وتمس أساسياتها، فإن تطبيق هاتين المادتين اعتباراً من تاريخ انتهاء الثلاث سنوات، أي من تاريخ 30/9/2014، على ما يصدره الأردني من رأي، يكون مخالفاً لنص الدستور حتماً.
5) والحقيقة أن فتح باب التجريم لصاحب الرأي استناداً إلى المادتين السابقتين، واعتبار ما بدر منه جناية عقوبتها الأشغال الشاقة، فضلاً عن مخالفته للدستور، فإنه لا يليق بدولتنا، ولا بتوجهاتها الإصلاحية. ويكفي هنا، أن تجريم بني ارشيد على ما كتبه من رأي، سوف يستتبع بالضرورة تجريم من ينتقد أمريكا أو بريطانيا أو إسرائيل، لأن النصين يتحدثان عن دولة أجنبية، مما يعني أن يمتد التجريم إلى الغالبية العظمى من الكتاب والسياسيين في الأردن الذين يوجهون النقد القاسي لهذه الدول، وبغير ذلك، فسوف يكون تطبيق النصوص انطلاقاً من مكيالين دون سند أو أساس. ومن هنا جاءت أهمية المادة (128/1) من الدستور، التي تمنع التأثير على حرية الرأي من حيث جوهرها أو أساسها، عندما بدأ نصها بكلمة "لا يجوز" الآمرة.
ولذلك، إذا كان وراء اعتقال بني ارشيد اعتبارات سياسية متراكمة بصفته نائب المراقب العام لجماعة الاخوان المسلمين، فينبغي أن تسمى الأشياء بأسمائها، بدلاً من إلباسها ثوب المادة (118/2) من قانون العقوبات أو المادة (3/ب) من قانون منع الإرهاب، المخالفتين للدستور في مجال حرية الرأي.
6) إنني أحترم دولة الإمارات العربية المتحدة، كما أحترم قيادتها وأثق بحكمتها، ولا أعتقد أن رجاحة عقل هذه القيادة يمكن أن تقبل للدولة الأردنية ملاحقة الشيخ بني ارشيد بنصوص جرمية أصبحت تخالف الدستور، أو تعتب علينا إذا لم نخالف دستورنا.
وأخيراً، فإنني من المؤمنين بأن حكم الدستور نصاً وروحاً، هو الذي ينبغي أن يسود، وعلى كل أردني أن يُضحي من أجل احترام دستور وطنه. أما العبارات التي كتبها الشيخ بني ارشيد على موقعه/الفيس بوك، ووجهها إلى دولة الإمارات العربية، فإن نظامنا القانوني ليس عاقراً بشأن التعامل معها، إذ أن الذي يحكمها هو نصوص قانون المطبوعات والنشر، من حيث انطوائها أو عدم انطوائها على مساس بحق الغير، شأن بني ارشيد في ذلك شأن أي كاتب، وليس النصوص التي تجعل كاتب تلك العبارات إرهابياً يتوجب اعتقاله بالمخالفة لأحكام الدستور.

0
0
Advertisement