وما كفر اردوغان

نمير الشريف

نمير الشريف [ 2014\12\02 ]

ما احاول هنا اثباته ان العدل والمساواة قد يتشابهان في المعنى لكن يختلفان في التطبيق

أثار تصريح غير مسبوق للرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وهو الاكثر شعبية في تاريخ تركيا الحديثة بعد اتاتورك، في مؤتمرالمرأة والعدالة والذي انعقد في مدينة اسطنبول قبل ايام قليلة، زوبعة امام مدافعي حقوق المرأة وفتح فيه صندوق باندورا في وجه لجان حريات المرأة حين قال "ان المرأة لا تتساوى والرجل لأن هذا مخالف للطبيعة" ودعم قوله بأن الله تعالى خصّها بالأمومة وهو – كما يعتقد اوردوغان- الدور الأساسي لها.
حديث كهذا في بداية الألفية الجديدة هو بمثابة اتهام الرجل بالكفر لمسلمات لا تُناقش، هو كفيل باتهامك بالجنون والتخلي عن انسانيتك كما هو الحال في كثير من موضة الشعارات الانسانية الجديدة التي تَطرب لها الآذان. لكن اذا اردنا ان نستمع للإعلام الرائج الذي اتهم الرئيس التركي مباشرة "بأجندته لتحويل تركيا لدولة اسلامية" بما يصاحبها من قمع للمرأة، فمن العدل ايضاً أن نفنّد مطالب لجان المرأة وعملهم الذي لا يخلو من دعم مالي خارجي. فالصورة الإيجابية التي تصل لنا من تحقيق المساواة الكاملة مثالها كالمضاد الحيوي الذي يحمل معه تأثيرات جانبية، فلنتخيل تحققت المساواة التامة بحيث اننا تغاضينا عن طبيعة المرأة المختلفة (كونها الكلمة التي تسبب حساسية للكثير) أفليس من المساواة للرجل أن نطالب امرأة خاضت عملية ولادة قيصرية ان تعاود عملها بعد اخذ اجازة مرضية لإسبوع او اسبوعين في احسن الأحوال؟ وان تتخلى الأم المرضعة عن الرضاعة الطبيعية لأن من غير المساواة أن تأخذ هي اجازة او مغادرة لإرضاع طفلها في حين لا يستطيع الأب اخذ ساعة لإطعام ابنائه وقت الغداء؟! والامثلة تطول "للمساواة" التامة بين الجنسين دون النظر الى اختلاف طبيعتهما، فيصبح من حق رب العمل ان يفصل امرأة حامل في الشهر الثامن لعدم استطاعتها نقل صناديق تحمل اوزان ثقيلة وهو ما قد يحدث يوميا ما.
ما احاول هنا اثباته ان العدل والمساواة قد يتشابهان في المعنى لكن يختلفان في التطبيق، واضم صوتي لاوردوغان ايمانا مني بأن "العدل" لا "المساواة" هو ما يخفف الحمل الثقيل الذي تحمله المرأة على عاتقها في مجتمعات لا ترحمها، سواء كانت في مجتمع عربي او غربي ففي كليهما هي اداة لا انسان تخضغ لقوانين فرضها الرجال في عالم ذوكري بحت.
إننا وفي المطالبة "بالمساواة" بالرجل هو اعتراف ضمني ان الرجل هو الكائن البشري الأفضل وان ما يقوم به هو النموذج الأمثل واننا كإناث علينا اتباع هذا النموذج ونطالب للارتقاء إليه من خلال الحصول على امتيازاته، والأهم من ذلك ان اي نجاح او فشل يقارن به؛ فلو كنتي قوية فأنتي "شقيقة الرجال" ولو كان هو ضعيف "يبكي كالنساء" وهي اقوال نسمعها ونرددها للأسف يوميا! اي مساواة تلك التي نطالب بها ونحن معشر النساء لازلنا نضطهد انفسنا ونعاني من عقدة الافضلية للرجل؟
في هذا السياق لن اتحدث هنا عن المرأة وما تعانيه في العالم العربي والإسلامي، فجرائم الشرف في الأردن، ختن الفتيات في مصر، زواج القاصر في اليمن، ناهيك عن العادات (غير الاسلامية) والتي تتبعها كثير من المجتمعات العربية البدائية من منع السواقة لحرمان التعليم، حتى في اخف مظاهرها كـ"المحرم" في السفر والى كل ذلك كيفلة لتُعرّي القاع الضحل الذي ارتطمت به المرأة العربية، لكن ما يخفى علينا حقاً ان حال المرأة في النصف الأخر من الكرة الأرضية ليس بالمشرق ايضاً، فإليكم بضع من المعلومات التي اضافت لشعري عدداً من الشعيرات البيضاء حزناً لما آلت اليه المرأة اليوم، ففي استراليا، كندا، الأراضي الفلسطينية المحتلة (اسرائيل)،جنوب افريقيا والولايات المتحدة وجد أن 40-70% من جرائم القتل والتي كانت ضحاياها من النساء قد قُتلن على يد شريكهن الرجل سواء الزوج أو العشيق، وفي الولايات المتحدة-بلد الحريات الأعظم- 83% من البنات ما بين عمر 12-16 سنة واجهن شكل من اشكال التحرش الجنسي في المدارس الحكومية.
وفي دراسة اوروبية حديثة، اظهرت نتائج المسح ان ثلث النساء في الاتحاد الاوروبي قد تعرّضوا الى عنف سواء جسدي او جنسي منذ بلوغهم عامهم الخامس عشر، والأغرب من ذلك أن الدول التي سجّلت أعلى نسبة حالات عنف ضد المرأة هي نفسها تلك الأكثر تطبيقاً لمبدأ المساواة بين الجنسين –وهنا لا اعني بأي حال من الأحوال ربط المساواة بالعنف لكن ارتأيت ذكر المعلومة- والارقام كالآتي: الدنمارك (52%)، فنلندا (47%)، السويد (46%)، اما المملكة المتحدة وفرنسا احتلتا المركز الخامس من حيث العنف ضد المرأة داخل الاتحاد، في حين كانت بولندا الاقل نسبة بين الدول (19%).
سواء كفر اردوغان بخطاب الحركات النسائية المستوردة ام لم يكفر، ففي الحقيقة هو خاطب عقلي وابقى هويتي ضمن حدود الفطرة والطبيعة، ففي نهاية المطاف هو لم يُجاري الموضة الرائجة بالمناداة بالمساواة المطلقة بين الجنسين والذي سيحوّل المرأة الى مخلوقاً مشوهاَ عن الرجل طالما لم نغيّر نمط التفكير الذكوري للمجتمع واخراج الفرد من حالة الى حالة اخرى. فكما قال المفكر المعاصر مالك بن نبي :"ينبغي أن نطبع حركتنا النسائية بطابعنا لا بطابع ما يُصنع في الخارج" وما قام به اردوغان في المؤتمر هو انه تحدث عن المرأة وحقوقها بلسان يختلف عما نسمعه في الحركات النسائية المستوردة من الغرب واستعاض بكلمة العدل عن المساواة وهو ما اثار الزوبعة. ففي نهاية المطاف للمرأة طبيعتها الخاصة وهي الأولى في سنن القوانين التي تتناسب معها فتُخضع المجتمع وعاداته ليصبح مجتمعا انثوى/ذكوري سويّ تقود عجلته يداً بيد مع شريكها الرجل دون اي تفضيل.

نمير الشريف

mashhour59@yahoo.com
0
0
Advertisement