قطاع التربية والتعليم وأولوياتنا الوطنية في الأصلاح

د.رضا البطوش

د.رضا البطوش [ 2013\02\17 ]

ليس هنالك في الأردن من لا يدرك بأن الإصلاح التربوي والتعليمي قد اصبح ضرورة ملحة ومنذ سنوات، لا من باب الإنتقاص من جهد الآخرين، فلدينا من الإنجازات ما نعتز به، بل لأن التطور هو سنة الحياة، وان الدول غير القادرة على إدراك أهميته ومواكبته والتكيّف مع متطلباته، لن تكون قادرة على تحقيق الحدود الدنيا من التنمية، وستفقد فرص النهوض وتحقيق الإزدهار المنشود، وما من شك ان نية الإصلاح لم تكن غائبة عن اذهان اصحاب القرار في هذا المجال، وهناك إرادة سياسية تدعم بقوة وتقود توجهات الإصلاح في هذا القطاع الحيوي والذي هو القاعدة الأساس في منظومة أمننا الوطني، ففي عام 2003 أطلق جلالة الملك ما عرف بـ "مبادرة التعليم الأردنية" وذلك خلال المنتدى الإقتصادي العالمي/ البحر الميت، وكان هدفها تحقيق الإصلاح التعليمي، وكان من ثمارها التوسع في تعميم تكنولوجيا المعلومات والتعليم الإلكتروني، وعلى الرغم من مرور عشر سنوات على المبادرة، إلا أن هذا القطاع لا زال ينتظر تطبيق ما دعا اليه جلالة الملك من إصلاح شامل، ومن خلال خطط واضحة وبرامج منبثقة عن استراتيجية بعيدة المدى، والسؤال الذي يطرح نفسه في ضوء تراجع قطاع التربية والتعليم هو أين يقع القطاع على سلم أولوياتنا الوطنية في الإصلاح كون الدولة الأردنية متاثرة بكافة مكوناتها بالخلل التربوي والتعليمي القائم، وأشد هذا التأثير وقعاً وايلاماً هو على المواطن الأردني الذي تستمر معاناته على مدى السنوات التي يقضيها ابناءه على مقاعد الدراسة ولغاية التخرج من الجامعة، إضافة لما لهذا الخلل من إنعكاسات سلبية على أمننا الوطني، هذه المعاناة وهذا الخلل تتطلبان وقفة للتفكير تأخذ الوطن نحو المستقبل بأجياله الواعدة التي تبنيه وتحافظ على إنجازاته، فامننا الوطني كل لا يتجزأ.

ولأسباب مختلفة فإن مقاربة المسألة التربوية والتعليمية في الأردن تبدو من اصعب المقاربات، لا لضعف الإمكانيات والتعقيد الذي يميز هذا الجانب الهام في حياة الأردنيين فحسب، بل بسبب الحجم الكبير للقوى البشرية العاملة في هذا القطاع، ومعها حجم التعقيدات البيروقراطية والخوف من التغيير لدى القائمين عليه، وتمترس قسم كبير من التربويين خلف مفاهيم تقادم عليها الزمن، فمنهم من لا يرى بالإصلاح اكثر من توجيه النشء عبر التلقين دون اي تقنيات تعليمية او مادة تعليمية مناسبة بالشكل الذي يمكن ان يساعد الطلبة على التميّز في مراحل التعليم المختلفة، وهنا لا بد من اعادة التأكيد على انه ليس لدى الدول الفقيرة ومحدودة الموارد كالأردن خيارات للتطور والإزدهار الا عبر تميّز الإنسان لديها.

أما ما دفع بهذا الموضوع الى دائرة الإهتمام مجدداً فهو ما شهدته الأشهر الماضية من تطورات ذات علاقة منها (أولاً: نقابة المعلمين وما رافقها من حديث عن حجم الخلل في هذا القطاع وثانياً: نجاح المراهنة التي قطعها دولة رئيس الوزراء بإعادة الهيبة لإمتحانات الثانوية العامة، وهي التي بعثت الأمل بإعادة الإعتبار للعملية التربوية والتعليمية ككل، واخيراً ما طرحه وزير التربية والتعليم قبل ايام من تصور لمعالجة هذا الخلل عبر استراتيجية واضحة يجري تطبيقها على سنوات، وبمشاركة كافة اجهزة الدولة، وتعاون المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني)، وعليه فإن الإعتبارات التالية قد تكون نافعه في مجال الإستراتيجية التعليمية التي نحن بصددها او هي قيد الإعداد او التنفيذ وهي :

 الربط بين اتجاهات التعليم وحاجة المجتمع واتجاهات التنمية.

 تشجيع اليات البحث العلمي وملاءمته مع الجوانب التطبيقية للتكنولوجيا، وبما يمكن ان يؤسس للدخول في مراحل التعليم العالي، أي مبدأ الإستمرارية.

 الجانب التربوي والقيمي بحيث يركز هذا الجانب على الهوية الوطنية الجامعة، والذي يتطلب التطوير والمراجعة من حين لأخر، وحسب الأولويات الوطنية وما تمليه معطيات البيئة الإستراتيجية، ولنتذكر جميعاً بأن التربية تقدمت على التعليم في تسمية هذا القطاع الحيوي فلا تعليم بدون تربية ولا تربية بدون تعليم وما نخشاه أن نفقد الأثنتين معاً إذا ما إستمر هذا الخلل.

 المناهج التعليمية والأنشطة المختلفة، من حيث مواكبة التقدم العلمي واولويات التعليم، وكذلك التوسع في تعليم اللغات الأجنبية وحسب الحاجة، وتطوير الأنشطة الرياضية والكشفية وبما يصل الى اعادة الإعتبار لها بعد اهمالها لعقود.

 الأوضاع الإدارية من حيث القوى البشرية وإعدادها، واعادة هيكلتها لتحقيق الإستفادة القصوى من طاقاتها، وكذلك تطوير البنى التحتية والمرافق الصحية والمقاصف، وضمن الإمكانيات علماً بان القسم الأكبر منها تكمن معضلته في الروتين والبيروقراطية وليس في شح الإمكانيات.

 ايجاد نظام تحفيزي فعال، سواء فيما يتعلق بالمكافآت او المسابقات او المنح الخارجية للمعلم المتميز والطالب المتميز، دون حصرها بالمنح الجامعية بل يمكن ان تشمل زيارات تبادل ثقافي (Cultural Exchange) مع دول أخرى خلال العطلة الصيفية (كما في بعض المدارس الخاصة).

واخيراً هذا الجانب الحيوي في حياة الأردنيين لا يتحمل ترف التجربة والخطأ، وحتى تتوافر أسباب النجاح لمشروعاته الإستراتيجية الحيوية فأنه لا بد من أن يتم التعامل معها كمشاريع دولة وليس حكومة او وزارة بعينها، ولا بد من مشاركة فاعلة من القطاع الخاص في القطاع التربوي والتعليمي تنعكس إيجاباً على قطاعات الوطن المختلفة بما في ذلك القطاع الخاص نفسه، فكل أمنيات النجاح لكل جهدٍ مبارك للبناء والإصلاح في هذا البلد الطيب، فنحن اليوم بأمس الحاجة لأجيال واعدة قادرة على النهوض بالوطن بكل قطاعاته والحفاظ على أمنه وأستقراره.

0
0
Advertisement