ورحل صانع المعجزة في سنغافورة

موسى العدوان

موسى العدوان [ 2015\03\29 ]

ألا يحق لنا أن نُحيي رئيس وزراء سنغافورة الراحل ' لي كوان يو ' على ما قدمه من إنجازات عظيمة لبلاده وجعْلها قبلة للسائحين والمستثمرين ؟

في فجر يوم الاثنين 23 / 3 / 2015 رحل عن الدنيا الأب الروحي لسنغافورة ، رئيس وزرائها الأسبق وصانع معجزتها الاقتصادية " لي كوان يو " ، تاركا بصماته الإصلاحية مطبوعة على جبين وطنه . ومن المؤكد أن التاريخ سيخلد اسم هذا الرجل كزعيم وطني من زعماء جنوب شرق آسيا والعالم بشكل عام .

لقد ابهرتني النهضة الاقتصادية في دول جنوب شرق آسيا أو ما تسمى بالنمور الآسيوية ، فكتبت في وقت سابق عن معجزاتها الاقتصادية ، وكيف تمردت على التخلف ونهضت من تحت الركام لتصبح في طليعة الدول المتقدمة وهي : ماليزيا ، كوريا الجنوبية ،اليابان وسنغافورة ، ونشرتها في حينه على بعض المواقع الإلكترونية ، بغرض تحفيز المسؤولين في حكوماتنا الرشيدة على اتباع خطوات تلك الدول ، لعلهم يطورون واقعنا الاقتصادي ويخرجونا من دائرة الضيق إلى فضاء أرحب .

ولكن كتاباتي مضافا إليها كتابات المثقفين الآخرين في هذا المجال ، مرت فوق رؤوس المسؤولين مر السحاب دون أن تحرك حميّتهم . ولهذا أجدني اليوم مدعوا للتذكير بتجربة سنغافورة الاقتصادية ، بمناسبة رحيل باني نهضتها " لي كوان يو " لعل الذكرى تحرك ضمائر المعنيين ، وتحفزّهم على تقليد تجارب اقتصادية ناجحة دون تكليفهم بعصف ذهني يرهق أدمغتهم ، بل الاكتفاء بنقل تجارب غيرهم وتعديلها بما يناسب أوضاعنا الاقتصادية .

فسنغافورة جزيرة صغيرة في جنوب شرق آسيا تبلغ مساحتها حوالي 700 كيلو متر مربع وعدد سكانها حوالي 5 ملايين نسمة ، خليط من الصينيين والملاويين والهنود بثقافات وأديان متنوعة . كانت هذه الجزيرة في منتصف القرن الماضي مستعمرة بريطانية تفتقر إلى الموارد الطبيعية ، وتعاني من البطالة وأزمة السكن والركود الاقتصادي والفساد الإداري والتخلف بشكل عام .

في عام 1959 أصبح " لي كوان يو " أول رئيس لوزراء سنغافورة بعد فوز حزبه في الانتخابات النيابية . ثم انفصلت الجزيرة عن اتحاد الملايو ( ماليزيا ) ونالت استقلالها عام 1965 . وقد وصف رئيس وزرائها الجديد المشهد الذي كان يكتنف الجزيرة عند توليه الحكم كالتالي :

" بعد الانفصال عن الملايو وجدت كل شيء حولي ينذر بالانهيار ، فنسبة البطالة تقارب 15 % ، الدولة الجديدة تكاد تخلو من كل شيء ، البنية التحتية متخلفة للغاية ، المدارس والجامعات لا تفي بالحاجة ، القوة العسكرية مؤلفة من كتيبتين ماليزيتين ، قوات الشرطة لا وجود لها من الناحية العملية ، الغليان العنصري والديني يهدد بالانفجار في أية لحظة ، التهديد الخارجي لم يتوقف ، وكانت ماليزيا تنتظر فشلنا على أحر من الجمر لتستخدم القوة في إعادة سنغافورة إلى حظيرة البلاد " .

لقد كان " يو " يتمتع بالرؤية الثاقبة وبعد النظر والتصميم على بناء الدولة رغم كل التحديات التي كانت تواجهه . فركز خطته الإصلاحية أساسا على " بناء الإنسان " من خلال النهوض العلمي ، وعدم إضاعة الوقت في الإصغاء للإذاعات ، ومنع الناس من التجمهر إلا لأداء الصلاة ، وإغلاق السجون ليفتح المدارس بدلا منها . كما حارب الفقر والبطالة من خلال مشاريع ناجحة ، وجعل لكل مواطن بيتا يسكن فيه بدلا من أكواخ الصفيح على ضفتي النهر ، ثم أقام نموذجا مثاليا للحكم في البلاد .

اعتمد رئيس الوزراء ثلاثة محاور رئيسية في خطته النهضوية هي باختصار شديد :

1. محور التعليم . فقد أورد في مذكراته ما يلي : " الدول المتحضرة تبدأ نهضتها بالتعليم ، وهذا ما بدأت به عندما استلمت الحكم في دولة فقيرة جدا . أوليت الاقتصاد اهتماما أكثر من السياسة ، والتعليم أكثر من نظام الحكم ، فبنيت المدارس والجامعات ، وأرسلت الشباب إلى الخارج لتلقي العلم ومن ثم الاستفادة من دراساتهم في تطوير الداخل السنغافوري " .

2. محور التوظيف الحكومي . اعتمدت حكومته على التوظيف بدرجة عالية من المهنية والثقافية ، من خلال مناظرات ومسابقات مفتوحة للجميع . ويقول في هذا الصدد : " بعد عدة سنوات من الخدمة الحكومية أدركت أنني كلما اخترت أصحاب المواهب كوزراء وإداريين مهنيين ، كلما كانت سياستنا أكثر فعالية وأكثر انتاجا " .

3. محور تحديد النسل . تبنت الحكومة سياسة تحديد النسل بحيث لا تتجاوز زيادة نسبة السكان وهي 1,9 % في عام 1970 و 1,2 في هام 1980 وذلك تجنبا للانفجار السكاني الذي يعرقل التنمية . وبعد أن تعافى الاقتصاد اعتمدت الحكومة برنامجا معاكسا يهدف إلى تحفيز المواطنين على زيادة النسل لتوفير الأيدي العاملة .

لقد حققت سنغافورة بقيادة رئيس وزرائها " لي كوان يو " معجزة اقتصادية عظيمة في فترة لا تزيد عن ثلاثة عقود ، وتحولت من دولة متخلفة إلى دولة صناعية تنتج مختلف المواد التجارية والإلكترونية وتكرير النفط وبناء السفن وصناعة السياحة . وحول بلاده من مستنقعات تعج بالذباب والبعوض إلى مركز استثماري وسياحي عالمي يكتظ بناطحات السحاب . وتمكن من رفع دخل الفرد السنوي في بلاده من 1000 دولار عند الاستقلال إلى 30000 دولار في بداية الألفية الثالثة . وتأكيدا لذلك يمكن للقارئ زيارة موقع سنغافورة على شبكة الإنترنت ، ليرى بعضا من معالم نهضتها الحديثة .

في عام 1990 تنازل " يو " عن الحكم طوعا ، بعد أن تولى رئاسة الوزراء لمدة 31 عاما متواصلة ، حقق خلالها لبلاده هذه النهضة الاقتصادية الرائعة . ولكن الدولة حافظت عليه نظرا لخبراته الفذة ، وعينته مستشارا لمجلس الوزراء لمدة 21 عاما ، لكي يحافظ على الإنجاز ويواكب استمرارية تطور البلاد .

وعند المقارنة بين ما أنجزه رئيس وزراء سنغافورة الراحل من تقدم اقتصادي لبلاده خلال توليه الحكم ، وما أنجزه رؤساء وزرائنا خلال توليهم الحكم في الفترة الماضية وحتى الآن ، سنجد أن هناك بونا شاسعا بين الطرفين . فبدلا من التقدم الذي تحقق في سنغافورة ، استحكم في الأردن التخلف وتباطأ التطور في مجالات كثيرة . واستثناء لذلك تقدمنا في مجالات ثلاثة هي : ارتفاع المديونية ، جباية الضرائب ، ومضاعفة عدد السكان من مختلف الجنسيات .

فالمديونية العامة أصبحت حوالي 30 مليار دولار وما زالت الحكومة تبحث عن قروض دولية جديدة . ومعدل دخل الفرد لا يتجاوز 5000 دولار سنويا ، والبطالة وصلت إلى 30 % ، والتوظيف موقوف ، والتعليم والزراعة والسياحة والخدمات الصحية وغير ذلك من الأمور الحياتية أصبحت دون المستوى المطلوب .

وهنا لابد من طرح الأسئلة التالية على المسؤولين في بلدنا ، فلعل الإجابة عليها تهدينا إلى الطريق القويم : لماذا تقدمت دولة صغيرة كانت أكثر تخلفا من الأردن في منتصف القرن الماضي ، ولكنها قفزت إلى مقدمة الدول الصناعية الغنية خلال ثلاثة عقود ، بينما تخلف الأردن وبقي معتمدا على المساعدات والمنح الدولية حتى الآن ؟ لماذا ارتفع معدل دخل الفرد السنوي في سنغافورة ستة أضعاف معدل دخل الفرد الأردني لنفس الفترة الزمنية ؟ لماذا تتمتع سنغافورة بالانتعاش الاقتصادي والتقدم دون الاعتماد على مفاعلات نووية ، بينما يعاني الأردن من التعثر الاقتصادي ويرزح تحت مديونية كبيرة ، ورغم ذلك يسعى لإقامة مفاعلات نووية دون توفر مقوماتها الأساسية ؟

بعد كل هذا ألا يحق لنا أن نُحيي رئيس وزراء سنغافورة الراحل " لي كوان يو " على ما قدمه من إنجازات عظيمة لبلاده وجعْلها قبلة للسائحين والمستثمرين ؟ ألا يحق لنا أن نغضب على رؤساء وزرائنا في العقود الماضية ، والذين لم يصنعوا لنا إلا الخيبة في مختلف المجالات ، وتحميلنا مديونية فلكية تتزايد مع مرور الزمن ؟ أليس من العدل أن نقرأ في حضور رؤساء وزرائنا وعند رحيلهم ، سورا من القرآن الكريم نخص منها " المعوذات " عرفانا بإنجازاتهم الفاشلة ؟

موسى العدوان

قراءة موجزة في كتاب 'المواجهة بالكتابة'

الحــرب الـهجــينة في العصر الحديث

قراءة موجزة في محطات الدكتور البخيت

الجيوش التقليدية إلى أين؟

المستشار بين العمل والتحييد

واكتملت حلقة الابتزاز مرحليا . . !

الحظر على المنتجات الزراعية الأردنية

تصريح أجوف لوزير خارجية غائب

جنرالات الحرب المدنيون . . !

هل سيشارك الأردن بحرب برية؟

في الذكرى السادسة عشرة لرحيل المشير حابس المجالي

وسقطت ورقة التوت دولة الرئيس..!

المجزرة الكيماوية في خان شيخون السورية

الحقيقة التائهة في وعود الرئيس..!

يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى

برلمان الختم المطاطي

تصريحات رئيس لجنة الطاقة النيابية تجافي الحقيقة..!

الدكتوراه بين الحقيقة والوهم . . !

خطاب نشاز تحت قبة البرلمان

عودة المتطرفين من بؤر القتال

المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات . . هل من ضرورة ؟

من صنع الإرهابيين في الكرك؟

تراجع التعليم في تغريدة الملكة

وصفي التل في ضمائر الأردنيين ..!

دولة الرئيس: لقد حانت ساعة الاختبار..!

الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة

في رثاء الفارس الذي فقدناه

على هامش تطوير القوات المسلحة

دور التعليم في نهضة دول جنوب شرق آسيا

التطرف والإرهاب وما بينهما

محطات في مسيرة حكومة الملقي

البرلمان والحياة النيابية

ازدواجية الجنسية في الميزان . . !

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة – 10

ماذا ينتظر سيادة الرئيس ؟

القرارات الهوجاء والحكمة الغائبة

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة – 9

الشعب التركي ينتصر لقائده

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة– 8

أمي أردنية وجنسيتها حق لي. . هل هو شعار أمين؟

الأمم الحيّة تكافئ عظماءها ولو بعد حين . . !

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة - 7

حلول عاجلة في خطط الرئيس . . ولكن . . !

بين الخوف والإرهاب

المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات بين النظرية والتطبيق

المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات بين النظرية والتطبيق

العاطلون عن العمل والمعالجات الأمنية

تأهيل القيادات البديلة في مؤسسات الدولة

التحول من قادة مقاتلين إلى عمال وطن آمنين!

إرهابيون في صبيحة رمضان

التنمية الاقتصادية بين مهاتير الماليزي ومهاتير الأردني

الهجوم على قرية البرج- من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة– 6

دولة الرئيس الملقي.. حكومتكم أمام الاختبار!

في وداع المجلسين الراحلين

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة– 5. الهجوم على بناية النوتردام

من صور البطولة على الأرض المقدسة– 4

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة – 3

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة- 2

مركز الثقل في عاصفة الحزم

خــاتـمــة كتــاب لقائد شهير

لن تخدعنا يا دولة الرئيس..!

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة

لا عزاء لقاتل يا سيادة الرئيس..!

يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى

الحرب البرية في سوريا

المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء وتفسير المُفسّر . . !

أما آن لحكومة التأزيم أن ترحل؟

مجلس الأمة.. بضاعتكم رُدّت إليكم..!

انتفاضة السكاكين وخطاب عباس ..!

قرارات السياسيين تفسد خطط العسكريين

غمامة رمادية في سماء قاسيون

فليرحل الشعب وليهنأ الرئيس!

هل يعقل أن يشرّع نائب شبه أمي قوانين الدولة ؟

دولة الرئيس: البيروقراطية ليست وحدها ما يعيق الاستثمار!

هل نحن مستعدون لمواجهة داعش؟

منطقة عازلة أم منطقة آمنه شمال الحدود الأردنية؟

فضيحة القمح في وزارة الصناعة والتجارة

شحنة القمح البولندية وصراع المؤسسات يا دولة الرئيس..!

لماذا تكتب ؟

منهجية التجنيد ومسار الخدمة العسكرية في توجيهات الملك

تأهيل القيادات البديلة في مؤسسات الدولة

دولة الرئيس يختزل خبز الفقراء

بين المرأة الحديدية ورافع المديونية

عاصفة الحزم تتطلب قرار الحسم

القوة العسكرية العربية المقترحة . . تحت المجهر

تفعيل وزارة الدفاع . . وجهة نظر . .!

القوة العسكرية عامل ردع لحماية الوطن

نؤكد على معارضتنا للمفاعل النووي

إن لم تكن حربنا فإنها حرب التحالف

إنقاذ الطيارين الأسرى من فيتنام الشمالية

دور الإعلام والحكومات في تضليل الشعب ؟

مسيرة باريس المناهضة للإرهاب . . هل من ضرورة للمشاركة؟

إنقاذ الطيارين من ساحة المعركة

الخدمات الطبية الملكية حمل زائد وجهود مشكورة

الصــحفيـون المـفـلســون

داعش وقضايا الإرهاب في حديث الملك

مؤسسة المتقاعدين العسكريين في حديث رئيس الوزراء

لا توقّفَ عن حديث الفساد دولة الرئيس . . !

معجزة اقتصادية في سنغافورة

نداء الجمهور كلمة حق صادقة . . !

نواب البزنس. . متى نقول وداعا؟

مؤتمر رئيس الوزراء: هل دحض الإشاعات أم أكدها؟

وركبْنا قطار الحرب على داعش

محطات تثير التساؤلات . . !

أكملها جلالة الملك . . سلمت يداك . . !

معركة داعش ومعركة مجلس الأمة

’الغاز. . والضرورات تبيح المحظورات’ في خطاب القلاب

المحطة النووية ونعمة الله علينا . . !

وانتصرت المقاومة في غزة هاشم

وترجّل الجنرال عن كرسي الدفاع

السياسة التعليمية الفاشلة تدق ناقوس الخطر

المهنة تعلّم الشرف أو تعلّم الفساد

رفقا بالوطن يا رئيس مجلس النواب

مركز الثقل في الهجوم على غزة

الرئيس ينتصر للمطربين ويتحفظ على المقاومين

غزة.. قلعة الصمود والمقاومة

أمة تتشظى وعدو يتحدى

مهاتير محمد والوصفة الماليزية للنمو الاقتصادي

على هامش الزيارات الملكية للمتقاعدين العسكريين

النهضة اليابانية من تحت الركام

لماذا يكرهون العسكر؟

الجنرال 'بارك' صانع المعجزة الكورية

مجالس النواب تبدد أموال الشعب في رحلات سياحية

مخيمات اللاجئين في الأردن.. إلى أين؟

مجلس الأمن الوطني . . هل من ضرورة ؟

نووي رحيم في البادية الشرقية . . !

عندما يلبس الأدعياء ثياب الوطنية الزائفة . . !

الخطة العشرية في رسالة الملك

مجلس النواب ينقلب على نفسه . . !

هل سيؤمن البرنامج النووي طاقة آمنة؟

الروابده والعزف على وتر الوطن البديل

حديث المكاشفة في خطاب الملك

الكعكة الحمراء تحت قبة البرلمان . . !

أيكما ينطق بالحقيقة دولة الرئيس؟

ردا على فيصل الفايز

المفاعل المنبوذ وشراء العقول..!

اتهامات غير منصفة للجيوش العربية مرة أخرى..!

اتهامات غير منصفة للجيوش العربية

عندما يسلّم نظام الممانعة للمفتشين..!

هل تنسجم النوايا مع أهداف الضربة الأمريكية؟

بشار الكيماوي والضربة المرتقبة . . !

وسقطت الأقنعة عند رابعة العدوية ..!

أما آن لهذا السفير أن يترجل ؟

هل نحن جاهزون لمواجهة تداعيات الضربة فعليا؟

0
0
Advertisement