الأردن.. ليس 'محدود الموارد'

أحمد ذوقان الهنداوي

أحمد ذوقان الهنداوي [ 2015\08\16 ]

ما يحدث في كثير من الأحيان بأن يطلق البعض مقولة، عن حسن نيّةٍ أو غيرها، فيردّدها اخرون فتأخذ بالانتشار والتوسع كالنار في الهشيم لتصبح بعد مرور فترة من الزمن، ولكثرة مردديها، من المسلمات

يأمرنا الله عزّ وجلّ بأن نتفكّر ونحكّم العقل في كافّة أمور حياتنا. ابتداء في آيات خلقه العظيم من الكون الشاسع والروح في الجسد، وحتى أبسط أمورنا الحياتية والدنيوية. وقد حثّ عزّ وجلّ على ذلك في محكم كتابه كما تدلّ على ذلك المئات من الآيات الكريمة المتضمّنة قوله تعالى "لعلكم تتفكّرون" و "لعلكم تعقلون" و "يا أولي الألباب" و "لقوم يوقنون" وما والاها من عبارات. دعوة مباشرة من ربّ العباد لخلقه بأن لا يأخذوا أي أمر من المسلمات، مهما كان ومهما يمكن أن يكون قد ردّد ويردّد من السابقين أو اللاحقين وكأنّه حقيقة واقعة. فعلى الإنسان أن يتفكّر في أمره أولا ويحكّم عقله وفكره قبل أن يصل لقناعة معيّنة ورأي محددّ وواضح بشأنه، فيتصرف بعدها وفقا لهذه القناعة المترسّخة على أرضية صلبة ومتينة من الفكر والتفكّر.
فما يحدث في كثير من الأحيان بأن يطلق البعض مقولة، عن حسن نيّةٍ أو غيرها، فيردّدها اخرون فتأخذ بالانتشار والتوسع كالنار في الهشيم لتصبح بعد مرور فترة من الزمن، ولكثرة مردديها، من المسلمات، و كأنّما هي حقيقةٌ واقعة وراسخةٌ دقيقة و متأصّله، و دون أن يفكر احدهم بمحاكاتها أو "تحدّيها" ليتبيّن فيما إذا كانت هي كذلك أم لا. ومن أبرز تلك المقولات التي تمسّ حياة كل أردنيّ وأردنيّة وبشكل يومي ومنذ عقود، والتي يستوجب علينا أن نتوقف عندها فنتفكّر فيها ونحاكيها ونتفحّصها وندقّقها، هي مقولةٌ بسيطةٌ مكوّنةٌ من كلمتين اثنتين فقط مقترنةً بإسم الوطن الغالي الذي نعشق ثراه جميعاً. جملةٌ أعتقد اننا جميعاً يمكن أن نكون قد استخدمناها أو ردّدناه في فترةٍ من الفترات في عمرنا، ألا وهي أن "الأردنّ محدود الموارد"!!
"محدودية الموارد" مقولةٌ تتكون من شقّين. أما الشق الأول "المحدودية" فتعني مصطلحاً قلّة هذا المورد من حيث عدده أو حجمه أو نوعه، أما الشقّ الثاني "الموارد" فهي واستناداً لكافة مراجع الإدارة أربعة: ألبشريّة والطبيعية والأصول والممتلكات الوطنيّة وما ينجم عنها جميعها من موارد مالية. أما الموارد البشريّة، أو رأس المال البشري، وما ينبثق منها من موارد معرفية، فهي المورد الأهم بين كافّة الموارد الأخرى وبدونها لا يمكن استغلال الموارد الأخرى بالشكل الكفؤ والفعال لتحقيق أي من الأهداف الوطنية المبتغاة. فمهما امتلكت أي دولة من موارد طبيعية ومالية وتقنية (مستوردة)، فإنها لن تتمكّن من تحقيق مبتغاها بتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة دون توفّر مواردها البشرية المواطنة المؤهلة والكفؤة والقادرة على استغلال وإدارة وتسخير الموارد الأخرى بكفاءة وفعالية لتحقيق الأهداف الوطنية. الأردنّ ركّز على رأس ماله البشري منذ البداية. ونتيجة لتبنيه لهذه السياسة، تحققت لديه وفرةٌ من الموارد البشرية الكفؤة والمؤهّلة والتي ساهمت وتساهم في بناء الوطن كما تساهم في بناء دولٍ أخرى شقيقةٌ وصديقة ومنذ عقود من الزمن. فالاردنّ كان ومازال الأول عربيا ومن الأوائل عالميا في مستويات التعليم المدرسي والجامعي مقارنة بعدد السكان. فمنذ الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي وهو يقوم "بتصدير" كفاءاته الوطنية من معلمين وضباط (الجيل الأول من المغتربين)، حيث ساهم هؤلاء في إرساء قواعد تعليميّةٍ وأمنيةٍّ قويّة ومتينة ساهمت وما زالت في بناء تلك الأوطان والمحافظة على أمنها واستقرارها. تلى ذلك الجيل أجيالاً أخرى من الخبراء والمتخصّصين في كافة المجالات من مهندسين وأطباء واداريين وماليين ومحللي نظم وغيرهم كثير ساهموا ومازالوا يساهمون في الارتقاء بمستوى الخدمات والمنتجات التي تقدمها تلك الدول لتصل لمستويات متميزة عالميا. كل ذلك ما كان ليتحقق لولا فضل الله والقيادة الحكيمة لتلك الدول والتفاف شعوبها حولها، بالإضافة إلى العمل الدؤوب والجهد الموصول لأردنيين أكفياء عملوا ويعملون فيها ، فساهموا في بنائها وإعلاء صروحها، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، فأصبحت في مصاف الدول المتقدمة. نماذج عالمية يحتذى بها تمكنت من تحقيق مستويات متقدمة في كافة مؤشرات التنافسية والشفافية والإدارة الحكومية وإجراء الأعمال العالمية.
أما الموارد الطبيعية فقد حبى الله بها وطننا بالشيء الكثير. فبالإضافة إلى معادن الإسمنت والفوسفات والبوتاس وأملاح البحر الميت المختلفة، هنالك الصخر الزّيتي والسيليكون والنحاس واليورانيوم وغيرها كثير، وهنالك أيضا مصادر الطاقة المتجددة من الرياح والطاقة الشمسية المتوفرة على مدار السنة. بنيتنا التحتية من طرق وشبكات تقنية معلومات واتصالاتٍ وكهرباءٍ ومياهٍ جيدةٌ نسبيا. كل هذا يجعل من الأردنّ وفيراً في موارده، وليس محدودا فيها، وعلى الأخص رأس ماله البشري، المحرك الرئيس للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في أية دولة.
بدأت مقولة أن "الأردن محدود الموارد" بالظهور في أوائل السبعينيات من القرن الماضي عندما تم اكتشاف النفط والغاز في دول الخليج العربي وتبيّن عدم توفّرها بكميات تجارية في المملكة. وكأنّما اختزلنا تفكيرنا وحدّدناه بمورد واحدٍ طبيعي فقط ألا وهو النفط، متناسين، أو على الأقل غالبيتنا، من أن النفط هو مورد محدّدةٌ كميته وعملية استخرجه واستخدامه بفترةٍ زمنيّةٍ قصيرة نسبيا لن تتجاوز الثلاثة عقودٍ فقط من الآن في أفضل الأحوال. وتغافلنا عمّا نمتلكه من ثروة مستدامة هي أهم من النفط بكثير، ألا وهي رأس مالنا البشري.
كأنما أريد استخدام هذه المقولة غير الصحيحة وغير الدقيقة كشمّاعة يعلّق عليها كلّ تقصيرٍ وكلّ عدم انجاز وعدم كفاءةٍ و"عدم حوكمة" نراها في وطننا. ف "الطريق محفّرٌ لأن الأردنّ محدود الموارد" و"الأجهزة الطبيّة في المستشفى غير مصانة لأن الأردنّ محدود الموارد" و"الأردنّ لا يحقق المستويات المنشودة من التنمية لأنّه محدود الموارد" و" الأردنّ مستمرّ في الاستدانة الداخلية والخارجية لأنه محدود الموارد" ... إلى غير ذلك من المقولات التي لا تمتّ للواقع بصلة. هذا الأمر لا يندرج على الجميع. فكثيرون من رجالات الأردنّ وبناته الأوائل، كما هو الحال لكثير من أبنائه المخلصين في الوقت الحاضر، لا يقبلون هكذا ادعاء. فإنجازات الوطن كثيرة وكثيرة، في التعليم والصحة والبنية التحتية والأمن والأمان وغيرها كثير. أرسى قواعدها وبناها وما زال يعززها الكثير من رجالات الوطن وأبنائه المخلصين، الذين أفنوا أعمارهم رخيصة في سبيل وطنهم وخدمة شعبهم. فعندما قام بناة الوطن الأوائل مثلا بإصدار قانون التربية والتعليم في اواخر الستينات وأوائل السبعينات الذي أقر بناء مدرسةٍ لكل تجمع سكني فيه عشرة طلاب فقط فأكثر، وقاموا بتطبيق هذه القانون ليصبح في كل قرية ومنطقة وناحية وريف وبادية في هذا الوطن من أقصاه إلى أقصاه مدرسة، لم يتعذّروا ب"محدوديّة الموارد"، بل تمكّنوا برؤيتهم وإخلاصهم وانتمائهم وتفانيهم في عملهم وجهدهم المتواصل والدؤوب بتحقيق هذه الهدف الطموح، رغم التحديات والصعوبات، وكانت كثيرة وعظيمة.
إذاً، كيف يمكن لأي كان بأن يدعي بأن الأردنّ "محدود الموارد" !!!!...كأنّما ينطبق عليهم وصفه جلّ وعلا " انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ". وهل يستطيع من يدعي هذا بأن يقدّم حجّته مستندة على الحقائق والأرقام؟؟؟!!!!... أعتقد جازما بأنه لن يستطيع ذلك... الأردنّ ليس محدود الموارد، بل هو وفيرها. ألوصف الأدقّ الذي يجب علينا أن نردّده هو بأن الأردنّ، أو الأحرى العديد من مؤسساته وقياداتها في القطاعين العام والخاص لا تقوم بإدارة واستغلال موارده بالشكل الأمثل، بما يضمن بقاءها ويحفزها ويجيشها و يفجر طاقاتها و يزيد من انتاجيتها كما ونوعا، و بما يحقق أهدافه الوطنية وبالتالي يحقق رؤية قيادته و تطلعات و طموحات شعبه. فالّلوم، إن وجد، فإنه يجب أن يكون علينا أنفسنا وليس على ما ندّعيه من قلّة ومحدودية الموارد. لم يعد مقبولاً هذه الأمر. ولم يعد مقبولا بأن تنفذ الرؤى الملكية في الدول الشقيقة بأيدي أردنيه كفؤة وماهرة، والدلائل على ذلك كثيرة وكثيرة. يجب على هذا الاستنزاف وسوء الإدارة للموارد، وعلى الأخص البشرية منها، والقرارات الخاطئة لبطانة غير كفؤة أو غير أمينة ونزيهة، يجب عليه أن يتوقف. وإلا فإن الوطن سيستمر بنزف أبنائه وسوء إدارته لموارده.
حفظ الله الأردن قويا وعزيزا ومنيعا... وحماه شعبا وأرضا وقيادة...

0
0
Advertisement