مفهوم جديد للتطبيع !

نبيل الشريف

نبيل الشريف [ 2015\09\22 ]

هل يقف العرب ضد المفهوم الجديد للتطبيع والذي تحاول إسرائيل بموجبه أن تجعلنا نتعايش مع عدوانها ونقبله على أنه امر طبيعي لايثير الرفض أو الإستهجان؟

يبدو أن إسرائيل إنتقلت إلى مرحلة جديدة من مراحل التطبيع مع العرب بعد فشل محاولاتها المتكررة لإختراق الأسواق العربية ببضائعها ومنتجاتها التي كانت ( وربما لاتزال) تدخل أسواقنا خلسة وبعلامات تجارية مزورة ، وبعد إخفاق مساعيها الفجة لدخول مجال الإعلام عن طريق ناطقيها الرسميين الذين يتحدثون العربية بلكنات "مستشرقة" ويطلون علينا عبر الفضائيات والإذاعات وصفحات التواصل الإجتماعي .
لم تترك إسرائيل مجالا إلا وإستغلته في محاولاتها اليائسة لفرض نفسها على المنطقة، فبعد أن صادرت الأرض وإنتزعت الحقوق قامت بمد يدها الآثمة إلى التراث والموسيقى والتعبيرات الفنية والأزياء وحتى الطعام الذي سوقته للعالم على أنه تراثها أيضا بإعتبارها ثمثل هذه المنطقة بأهلها وتراثها وفنها وتاريخها.
ومع هذا بقيت إسرائيل ، بسبب سياساتها العدوانية وإستيلائها على الأرض والحقوق العربية، كيانا غير طبيعي في المنطقة، بل إتسعت دائرة الرفض لسياساتها العدوانية لتشمل العديد من شعوب العالم.
لقد أسقط الشعب العربي محاولات إسرائيل المستميتة لفرض حضورها في المنطقة بإصراره على عدم التعاطي مع دولة قائمة على الإحتلال والعدوان ومع كيان يمارس كل الموبقات جهارا نهارا كقتل الأطفال وتدنيس المقدسات دون أن يرف لقادته جفن.
ورغم نجاح إسرائيل في توقيع إتفاقيات سلام مع بعض الدول العربية ، الإ أن هذا السلام بقي محصورا في الجانب الرسمي ولم يتغلغل إلى المستوى الشعبي لأن ممارسات إسرائيل حالت وستحول على الدوام دون قبولها عضوا طبيعيا في المنطقة.
ويبدو أن القادة اليمنيين في إسرائيل إعترفوا بفشل محاولات التطبيع بشكلها التقليدي فقرروا الإنتقال إلى مرحلة جديدة منه تقوم على جعل العرب يقبلون عدوانها بإعتباره أمرا طبيعيا، فإسرائيل تكرر العدوان بعد العدوان حتى لم تعد إعتداءتها المتكررة تثير ردود أفعال مستنكرة أو مستهجنة أو رافضة ، وكأنها ترسل رسالة مفادها أن العدوان هو التصرف "الطبيعي " الذي يجب أن نقبله أو نتوقعه أو نتعايش معه عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
هذا هو التحول الجوهري الذي حدث في مفهوم إسرائيل للتطبيع ، فبعد فشل المفهوم الأول الذي أحبطته سياساتها الخرقاء وممارساتها العنصرية ، هاهي تنتقل إلى المفهوم الجديد للتطبيع والذي لم تعد تتوسل بموجبه القبول من أحد ، وكل ماهو مطلوب من العالم والعرب على وجه التحديد هو قبول العدوانية بإعتبارها تصرفا " طبيعيا " من إسرائيل، وعلي العالم أن يتوقع تصرفات عدوانية منها على الدوام وينظر إلى هذه التصرفات بإعتبارها أمرا عاديا وقدرا لافكاك منه !
إن هذا المفهوم الإسرائيلي الجديد للتطبيع هو فقط الذي يمكننا من فهم ماتفعله قوات الإحتلال وقطعان المستوطنين وغلاة العنصريين حاليا في القدس المحتلة وفي الأقصى الشريف تحديدا، فبعد أن شردت أهل القدس عن مدينتهم وحاصرت من تبقى منهم وصادرت أرضهم وأحلت محلهم يهودا من كل بقاع العالم ، هاهي تسارع الخطى لإكمال سيطرتها على المسجد الأقصى وهدمه وإقامة الهيكل المزعوم مكانه.
ولقد تفتق الذهن العنصري الإسرائيلي عن خطة قائمة على مفهوم جديد للتطبيع تقوم بموجبه إسرائيل بتكرار إعتداءاتها وإقتحامتها للمسجد الأقصى بشكل منتظم ، ومن المعروف أن ردود أفعال الناس للأحداث تضعف كلما تكررت هذه الوقائع بنفس الوتيرة ونفس الشكل ، ففي المرة الأولى يكون هناك إحساس الصدمة والدهشة والغضب الشديد ، ولكن رد الفعل هذا يضعف كلما تكرر الحدث إلى الحد الذي يصبح فيه "طبيعيا" لكثرة تكراره.
فقد تساءل كثيرون عن سبب ضعف رد الفعل العربي على قيام العنصريين الصهاينة بإعتلاء منبر صلاح الدين وحرق الباب القبلي للحرم الأسبوع الماضي. والإجابة تكمن في هذا المفهوم الإسرائيلي الجديد للتطبيع ، أي تخدير حس المتلقي الذي يتابع الخبر لأنه سمعه أو شاهده بنفس الطريقة للمرة الألف ، فلم يعد هذا الخبر يثير فيه أي درجة من الإستغراب أو الإستهجان كما كان يحدث عندما لم يكن العدوان الإسرائيلي على المسجد الأقصى يقع بهذه الدرجة المتسارعة من التكرار.
ومازلنا نذكر أن الإنتفاضة الثانية في الضفة الغربية إندلعت لأن سياسيا إسرائيليا عنصريا هو شارون زار السجد الأقصى عام 2000. أما اليوم فقطعان العنصريين تقتحم الإقصى يوميا إلا أن ردود الأفعال خارج القدس تكاد لاتذكر، مما يدل على أن إسرائيل نجحت في تمرير المفهوم الجديد للتطبيع القائم على قبول عدوانها على أنه أمر "طبيعي"، بعد أن إستعصى عليها تسويق المفهوم الأساس له والمتمثل في محاولة فرض نفسها ككيان طبيعي في المنطقة يتعامل معه الناس بأريحية.
وحدهم المرابطون في القدس الذين يعيشون الواقع المأساوي للعدوان ويدفعون ثمنه هم الذين يردون عليه بكل حزم وبطولة ، فهذا العدوان بالنسبة لهم ليس خبرا مكررا يتابعونه – كما يفعل الملايين خارج فلسطين – عبر الشاشات بل هو دماء طاهرة تنزف وغضبا يشق الحناجر وحجارة مباركة ترد الأذى مإستطاعت عن أولى القبلتين وسائر الأرض الفلسطينية.
لقد نجح العرب بإحساسهم الوطني الصادق في تحطيم محاولات التطبيع السابقة على صخرة صمودهم ، فهل ينبرون للوقوف ضد المفهوم الجديد للتطبيع والذي تحاول إسرائيل بموجبه أن تجعلنا نتعايش مع عدوانها ونقبله على أنه امر طبيعي لايثير الرفض أو الإستهجان؟

نبيل الشريف

mashhour59@yahoo.com
0
0
Advertisement