'خيار إستراتيجي' آخر...

أحمد ذوقان الهنداوي

أحمد ذوقان الهنداوي [ 2015\10\17 ]

يتابع المرء والقلب يعتصره الألم ما يجري في فلسطين العروبة... فلسطين الإباء.. فلسطين الحبيبة.... ظلم وجبروت وغطرسة وإرهاب محتل من حهة... يقابلها صمود وشموخ وكبرياء وشهادة مقاوم من جهة أخرى

يتابع المرء والقلب يعتصره الألم ما يجري في فلسطين العروبة... فلسطين الإباء.. فلسطين الحبيبة.... ظلم وجبروت وغطرسة وإرهاب محتل من حهة... يقابلها صمود وشموخ وكبرياء وشهادة مقاوم من جهة أخرى... ولا يستطيع المرء إلا أن يتفكر إلى متى يكون هذا؟! وكيف يكون الخلاص وكيف يكون الحل؟!... خيار، سمي ب"الإستراتيجي"، عقدنا عليه أوهاما لأكثر من عقدين من الزمن... على الرغم ممن حذروا من "ضبابيته" وخطورته وعدم جدواه حينها... ألوطن بقي خلالها محتلا وظروف شعبنا تحت نير الإحتلال تؤول من سيء إلى أسوأ... يحاول المرء جاهدا بأن لا تجرفه مشاعره وشجونه الجياشة، على الرغم من صعوبة، لا بل استحالة، ذلك، ليبقى عقلانيا وواقعيا في تفكيره في ظل واقع الأمة المتردي وموازين القوى السائدة حاليا... فالتاريخ العربي والإسلامي على مر العصور شهد ما شهد من مراحل صعود وهبوط... تخللها جميعها تجديات خارجية وداخلية جمة، تعاملت معها الأمة من خلال إستراتيجيات ووسائل مختلفة... فمن تجييش الأمة لتحرير ما اغتصب من أوطان في فترات ، إلى عقد صكوك واتفاقيات الهدنة والصلح في فترات أخرى... تخللت هذه وتلك حروب داخية ضروس بين مكونات الأمة أحيانا، واستعمار أجنبي أحيانا أخرى، ساهم بعضها في تفتيت الأمة وإضعافها، بينما ساهم بعضها الآخر في توحيد الأمة وراء قيادة ملهمة قوية جابهت صعوبات وتحديات فوق طاقتها ونجحت في ذلك، فأعادت للأمة مجدها وعزتها وهيبتها...
وفي خضم هذا الصراع بين خواطر وأمجاد الماضي ومرارة وقسوة الحاضر وآمال وطموحات المستقبل بخلاص وطن أسير وشعب مناضل، تعود الذاكرة إلى ما قبل حوالي قرن من الزمن، وبالتحديد آب من عام 1923، عندما دعا ماجد باشا العدوان عددا من زعماء الوطن للإجتماع للتباحث في خطر الأطماع الصهيونية في فلسطبن. وقد حضر اللقاء عددا من زعماء الأمة ألمشهود لهم بوطنيتهم وعشقهم لثرى فلسطين كما عشقهم لثرى الأردن. زعماء بذلوا الغالي والنفيس في سبيل قضية الأمة الأولى فأمدوا الثورة القلسطينية بالرحال والمال والسلاح وقارعوا الإنتداب البريطاني وجميعهم إما استشهد لاحقا أو سجن أو حكم بالإعدام أو نفي نتيجة ما آمنوا به وسعوا إلى تحقيقه. ومن هؤلاء: راشد باشا الخزاعي و سليمان باشا السودي وحسين باشا الطراونة وحمد باشا الجازي وناجي باشا العزام وارفيفان باشا المجالي ومثقال باشا الفايز وعلي خلقي باشا الشرايري وسالم باشا الهنداوي وابن أخيه قاسم باشا الهنداوي.
أدلى كافة الزعماء الوطنيين بدلوهم، مؤكدين جميعهم على منظومة القيم التي ينتمون إليها برفض الأطماع الصهيونية في فلسطين الحبيبة وواضعين الخطط العملية لمقاومة هذه الأطماع وتكثيف دعم المقاومة الفلسطينية لتمكبنها من القيام بذلك... وبعد أن انتهى جميعهم من الحديث، تحدث قاسم باشا الهنداوي فقال: "كما تعلمون أيها الساده فإن الخطر الصهيوني الذي ترتجف منه الدول العظمى يهددنا في عقر دارنا، ولما كنا نشعر جميعا بهذا الخطر، وجب علينا ان لا نفر من جبهة الجهاد ضده، متذرعين ومتسلحين بالايمان، فنصمد ونواجهه بحزم ولو ادى بنا الامر للهلاك ... فهل يمكنك يارفيفان باشا المجالي ان تعمد الى ما عمد اليه نسيب بك الاطرش فمات شريفا ابي النفس رحمه الله... وهل انت يا ماجد باشا العدوان يا صاحب الدعوة تكون على استعداد ان تضحي بكل غال وثمين كما ضحى زعيم الثورة السوريه الاكبر سلطان باشا الاطرش اذا اقتضت الحالة... ولا اعلم اذا كان سالم باشا الهنداوي يفتدي بلاده بي وباخواني وبابناء عمي كما ضحى ذلك الشهم الغيورا الا وهو حمد بك البربور برجال عشيرته حينما كان الجيش الفرنسي معسكرا في تل الزرعه... وهل يقودنا علي خلقي باشا الزعيم العسكري كما قاد امثاله من القادة العظام ابناء امتهم دفاعا عن وطنهم ان كان فيكم جميعا كل هذه التضحية فانا ضمين لكم ان اليهود لا يمكنهم ان يتطلعوا لاطراف هذه البلاد ".
كلمات بسيطة ولكنها أصابت الصميم، أمام جمهرة من زعماء وطنيين بذلوا وضحوا ولا يستطيع أحد ان يزاود على وطنيتهم...فمهما بلغت الغاية النبيلة والحقة والعادلة من الصعوبة وبدت مستحيلة التحقيق في ظل الظروف الحالية، إلا أنه لا شيء مستحيل مع العزيمة والإصرار والإرادة... فالأمر كله يعتمد على مدى قدرتنا على التضحية ومدى قدرتنا على تجملها في سبيل تحقيق هذه الغاية...
هي ليست دعوة لدق طبول الحرب وتجييش الجيوش... ولا هي دعوة لإلقاء الوطن والنفس إلى التهلكة... فلا يكلف الله نفسا إلى وسعها... ولكنها دعوة لقادة الأمة لأن يعلنوا على الملأ بأن "خيارهم الإستراتيجي" الذي تبنوه طوال عقدين من الزمن ليس هو الخيار الوحيد، وإنما هنالك خيارات أخرى، على صعوبتها ومقدار التضحية التي يمكن أن ينجم عنها، فهي ليست غير واردة ، إذا ما تأكد للجميع عقم استراتيجيتهم الحالية، وهي كذلك، فدقوا في نعشها مسماره الأخير... هنالك هدف أسمى بإزالة ظلم وعدوان... ولا بد لهذا الهدف أن يتحقق... بوسيلة أو بأخرى...
حفظ الله الأردن عزيزا وقويا ومنيعا... وحماه شعبا وأرضا وقيادة...
ولكم أهلنا في فلسطين الحبيبة، لا يسعني إلا أن قول: إصبروا وصابروا... مستبشرين بقوله عز وجل :" وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ"... صدق الله العظيم⁠⁠[1

0
0
Advertisement