الشخصية المعنوية تكتسبها الوحدات الإدارية وليس مجالس إداراتها

محمد الحموري

محمد الحموري [ 2015\11\24 ]

ما تم تداوله حتى الآن من أن أسباب رد قانون اللامركزية ترجع إلى عدم اكساب مجلس إدارة المحافظة الشخصية المعنوية المستقلة

في ضوء رد قانون اللامركزية من قبل جلالة الملك بموجب المادة 93/2 من الدستور، وما تم تداوله حتى الآن من أن أسباب الرد ترجع إلى عدم اكساب مجلس إدارة المحافظة الشخصية المعنوية المستقلة والاستناد في ذلك إلى القرار التفسيري للمحكمة الدستورية رقم (1) لسنة 2015، فإنني أؤكد أن الذي يكتسب الشخصية المعنوية هو الوحدة الإدارية (المحافظة) وليس مجلس الإدارة المنتخب فيها، وذلك بناء على ما يلي:
1. صدر القانون (مشروع) بموجب المادة (121) من الدستور التي تنص على ما يلي:
"الشؤون البلدية والمجالس المحلية تديرها مجالس بلدية أو محلية وفاقاً لقوانين خاصة".
2. إن الأصل التاريخي لنص المادة السابقة هو المادة (39) من الدستور البلجيكي لعام 1921، والمادتان (132، 133) من الدستور المصري لعام 1923. وقد جاء نص هذه المواد على النحو التالي:
الدستور المصري لعام 1923:
المادة (132):
"تعتبر المديريات والمدن والقرى فيما يختص بمباشرة حقوقها أشخاصاً معنوية وفقاً للقانون بالشروط التي يقرها القانون. وتمثلها مجالس المديريات والمجالس البلدية المختلفة. ويعين القانون حدود اختصاصها."
المادة (133):
"ترتيب مجالس المديريات والمجالس البلدية على اختلاف أنواعها واختصاصاتها وعلاقتها بجهات الحكومة تبينها القوانين. ويراعى في هذه القوانين... اختيار أعضاء هذه المجالس بطريق الانتخاب، إلا في الحالات الاستثنائية التي يبيح فيها القانون تعيين بعض أعضاء غير منتخبين."
وقد تكرر مضمون هذه النصوص في دساتير مصر المتعاقبة، وآخرها دستور عام 2014.
الدستور البلجيكي لعام 1921:
المادة (39):
“The law assigns to the regional bodies that it creates and that are composed of elected representatives the power to manage the matters that it determines, with the exception of those referred to in Articles 30 and 127 to 129, within the scope and according to the manner laid down by a law.”
وقد تكرر مضمون هذا النص في النسخ اللاحقة للدستور البلجيكي، وأخذت بهذا التوجه دساتير أوروبا، ومنها الدستور الفرنسي الحالي في المادة (73).
ويتضح من المواد السابقة أن الذي يكتسب الشخصية المعنوية هو الوحدة الإدارية (المحافظة) وليس مجلس الإدارة المنتخب فيها.
3. وبالنسبة لقرار تفسير المادة (121) من الدستور الصادر عن المحكمة الدستورية تحت رقم (1) لسنة 2015، فإنه رغم الخلط الذي قد يوحي به القرار، وعدم التناسق الواضح بين منطوقه والحيثية الأساسية التي استند إليها، إلا أن التلازم في الفهم القانوني بين الحيثية ومحصلتها، يستوجب القول، بأن قرار التفسير في المحصلة يأخذ بإعطاء الشخصية المعنوية المستقلة للوحدة الإدارية (المحافظة)، وذلك على النحو التالي:
أ‌. جاء في الحيثية التي تلخص فهم المحكمة للمادة (121) مـــــــــن الدستــــــور (ص6 من القــــرار) ما يلي:
"وتجد المحكمة أن موقف المشرع الدستوري الأردني من إنشاء إدارات لامركزية بقانون قد تأيد في العديد من الدساتير العربية والأجنبية التي تنص على جواز إنشاء وحدات إدارية محلية بموجب قانون يعطيها الاستقلالية والشخصية المعنوية، كما في الدستور الفرنسي لعام 1958 الذي ينشئ الوحدات الإقليمية في الجمهورية من بلديات ومقاطعات وكل وحدة أخرى بموجب قانون، يحدد المبادئ الأساسية التي تتعلق بالاستقلال الإداري للهيئات المحلية واختصاصاتها ومواردها المالية، وكذلك الدستور المصري لعام 2014 الذي يقسم الدولة إلى وحدات إدارية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ويجيز إنشاء وحدات إدارية أخرى تكون لها الشخصية الاعتبارية على النحو الذي ينظمه القانون. كما يكرس الدستور المصري الاستقلال المالي والإداري للوحدات الإدارية المحلية من خلال تحديد اختصاصاتها ومواردها المالية بموجب القانون، وتقرير موازنات مالية مستقلة خاصة بها يدخل في مواردها ما تخصصه الدولة لها من موارد، بالإضافة إلى الضرائب والرسوم ذات الطابع المحلي، وتوفير ضمانات استقلالية أعضائها".
ويتضح من الفقرة سابقة الذكر، أن المحكمة الدستورية تقطع بأن دستورنا في موضوع إنشاء وحدات إدارية إقليمية تتمتع بالشخصية المعنوية المستقلة مثل البلديات والمقاطعات (المحافظات)، يتطابق مع ما يجري في الدول العربية (مصر) والأجنبية (فرنسا).
ب‌. أما منطوق القرار التفسيري الذي رتبته محكمتنا الدستورية على الحيثية الأساسية السابقة، فقد جاء كما يلي:
"لكل ما سبق، تجد المحكمة أن عبارة "المجالس المحلية" كما وردت في المادة (121) من الدستور قد جاءت عامة ومطلقة لتشمل المجالس البلدية والقروية وأية مجالس محلية أخرى، وبالتالي فإنه يتوجب أن لا تفسر هذه العبارة تفسيراً ضيقاً لتنحصر بالمجالس البلدية والقروية فقط، بل يجوز أن يمتد نطاقها لتشمل أية وحدات أو مجالس محلية أخرى إذا اتجهت نية المشروع إلى منح هذه الوحدات أو المجالس الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري ويكون عنصر الانتخاب جزءاً من تشكيل مجالس إداراتها، ما دامت هذه الوحدات والمجالس المحلية تخضع لرقابة الإدارة المركزية ضمن إطار الوصاية الإدارية بحدودها الواردة في متن هذا القرار."
وبالتدقيق في هذا المنطوق، نجد أن المحكمة تؤكد أنه يجوز منح "الوحدات الإدارية أو المجالس، الشخصية الاعتبارية ويكون الانتخاب جزءاً من تشكيل مجالس إدارتها. ومن البديهي هنا، أن الذي ينتخب هم سكان الوحدة الإدارية المستقلة ليكون مجلس الإدارة المنتخب من قبلهم ممثلاً للشخص المعنوي وليس الشخص المعنوي ذاته.
وفي ضوء ما سبق، فإني أقترح النص التالي ليضاف إلى مشروع قانون اللامركزية العائد من الديوان الملكي:
"تقسم المملكة إلى وحدات إدارية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري في الحدود المبينة في القانون، ومنها المحافظات والمدن والقرى ويكون الانتخاب عنصراً من عناصر تشكيل مجالس إدارتها."
إن النص السابق الذي نقترحه، يستجيب تماماً للقرار التفسيري الذي أصدرته المحكمة الدستورية، كما يتفق مع النهج الذي يأخذ به النظام القانوني الأردني من حيث أن الذي يكتسب الشخصية المعنوية هو الوحدة المؤسسية وليس مجلس إدارتها. فالنقابة هي التي تكتسب الشخصية المعنوية وليس مجلس إدارتها، والشركة هي التي تكتسب الشخصية المعنوية وليس مجلس إدارتها وجميع المؤسسات والهيئات في دولتنا أكسب القانون كل منها شخصية معنوية وليس مجلس إدارتها.
4. أما من الناحية الإجرائية التي ينبغي أن تتعامل بها السلطة التشريعية مع النص المقترح، فلا تخرج عن صلاحية مجلس النواب في تعديل مشروع القانون بإضافة النص السابق إليه، ووضعه في المكان المناسب من هذا القانون، وذلك عملاً بالمادة (91) من الدستور إذ منذ عرض مشروع القانون إبتداءً من قبل الحكومة على مجلس النواب يصبح مشروع القانون في عهدة هذا المجلس، ويدخل في صلاحياته الدستورية تعديل نصوصه، وبعد ذلك يُحال مشروع القانون بما فيه النص الجديد سابق الذكر إلى مجلس الأعيان، للنظر فيما شرعه مجلس النواب، فإن وافق عليه، يُرفع القانون برمته إلى الملك للمصادقة عليه بموجب المادة (93- فقرة 2) من الدستور. وفي هذا المجال فإنه من غير الممكن أن يُعرض التعديل ابتداءً على المجلسين معاً في اجتماع موحد لإقراره بمقتضى المادة (92) من الدستور، إذ أن هذا الأمر يحدث في الحالة التي تختلف فيها وجهة نظر مجلس الأعيان مع وجهة نظر مجلس النواب، في موضوع نصٍ معين أو نصوصٍ معينة لمرة ثانية، وذلك من أجل حسم أي توجهٍ ينبغي السير فيه، وهذه الحالة كانت قد استنفذت فيما مضى. أما في حالتنا هذه فإن الأمر يتعلق بنصٍ مستحدث شرعه مجلس النواب بناء على صلاحياته الدستورية ليستجيب للقرار التفسيري وفقاً للرد الذي جاء من الملك، وبعد ذلك يذهب المشروع الى مجلس الأعيان من أجل النظر في الأمر. وأؤكد هنا أن اجتماع المجلسين معاً لإقرار النص الذي نقترحه أمرٌ غير وارد، وإنما ينبغي أن يسير الموضوع بالطريق العادي لتشريع القوانين.

0
0
Advertisement